زيارة الحلبوسي إلى إقليم كردستان… هل تعيد التحالف الثلاثي؟

ياسين الحديدي-كركوك

الجواب المختصر: إن المشهد السياسي العراقي اليوم يشهد متغيرات متسارعة، والتحالف الثلاثي بصيغته السابقة قد انتهى عملياً منذ سنوات. إلا أن التطورات الداخلية والإقليمية تفرض على القوى السياسية الفاعلة تجاوز الخلافات، وطي صفحات العتب واستحضار الماضي، والانطلاق نحو حوار وطني مسؤول يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.

إن ما يجري اليوم يستوجب قراءة متأنية وموضوعية، بعيداً عن التخندق السياسي، وبروح من التجرد والحرص على وحدة العراق واستقراره، وتقريب وجهات النظر بين مختلف القوى السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن زيارة رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي إلى السيد مسعود بارزاني تكتسب أهمية خاصة، لما يمتلكه الأخير من خبرة سياسية طويلة وحكمة متراكمة، ليس فقط بعد عام 2003، بل حتى قبل ذلك.

وتأتي هذه الزيارة في ظل تصاعد التوتر بين العراق والمملكة العربية السعودية، وتبادل الاتهامات بشأن الهجمات بالطائرات المسيّرة والمقذوفات الصاروخية، في وقت ينفي فيه كل طرف مسؤوليته عنها، بينما يبقى الفاعل الحقيقي مجهولاً، وهو ما يخدم، بلا شك، الجهات التي لا ترغب في انفتاح العراق على محيطه العربي.

كما تسبق هذه التطورات ملفات عالقة أخرى، من بينها القضايا الحدودية والبحرية بين العراق والكويت، ولا سيما ما يتعلق بخور العمية، والتي لا تزال بحاجة إلى حلول جذرية تقوم على التفاهم وحسن النيات بين جميع الأطراف.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية ألقت بظلالها على المنطقة بأسرها. فإيران ما زالت تؤكد أنها تستهدف المصالح الأمريكية أينما وجدت، سواء في القواعد العسكرية أو الشركات العاملة في دول الخليج، في حين تؤكد حكومات الخليج ووسائل إعلامها عدم وجود قواعد تنطلق من أراضيها لاستهداف إيران، وتشدد في الوقت نفسه على أهمية تجنيب المنطقة المزيد من التصعيد، والعمل عبر الوساطات الإقليمية والدولية لوقف نزيف الدم والخسائر الاقتصادية، كما حدث في الوساطة القطرية، وسبقها جهود باكستانية لاحتواء الأزمة.

إن مجمل هذه التطورات يفرض تكثيف الحوار واللقاءات المباشرة بين قادة العراق وصنّاع القرار فيه. ومن وجهة نظري، فإن السيد مسعود بارزاني يعد من الشخصيات العراقية التي تحظى بقبول واحترام لدى دول الخليج، وهو صاحب دور بارز في بناء علاقات إقليم كردستان مع تلك الدول، التي أسهمت شركاتها في مشاريع التنمية والاستثمار داخل الإقليم، كما يتمتع بعلاقات إيجابية مع القيادة السعودية.

ومن هنا، فإن توقيت زيارة الحلبوسي يبدو موفقاً، لما يمكن أن تحققه من آثار إيجابية على المستويات الداخلية والعربية والدولية، رغم ما شاب العلاقة بين الطرفين من توترات في مراحل سابقة. فالخلافات السياسية لا ينبغي أن تفسد الود، بل يجب أن تكون دافعاً لتبادل الأفكار وتقريب وجهات النظر، وصولاً إلى خارطة طريق مشتركة تخدم العراق.

وربما تشكل هذه الزيارة منصة انطلاق لتحرك سياسي أوسع، يهدف إلى إبعاد العراق عن منزلق الحروب والصراعات، فالنيران الكبرى تبدأ غالباً بشرارة صغيرة. واليوم، وبعد أن بدأ العراق خطواته في مواجهة الفساد وتقويم مسار الدولة، فإن الحاجة أصبحت ملحة لاستنهاض همم الجميع، والخروج من دائرة التجاذبات والمصالح الضيقة، وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية والمخلصة لتأخذ دورها الحقيقي بعد سنوات طويلة من التهميش.

ونأمل أن تمثل اللقاءات بين السيد مسعود بارزاني والسيد محمد الحلبوسي بداية لمرحلة جديدة تقوم على الواقعية السياسية، والعمل المشترك لإقرار تشريعات تخدم جميع العراقيين، وفي مقدمتها تطوير قطاع النفط، ومعالجة أزمة الطاقة الكهربائية، ومحاربة التطرف بجميع أشكاله، وحسم ملف رواتب موظفي إقليم كردستان بما يحقق العدالة ويعزز الاستقرار.

كما أن توجيهات الحلبوسي إلى رئيس مجلس محافظة كركوك، السيد محمد الحافظ، وتحركه لإيصال رسالة إلى السيد مسعود بارزاني بشأن مشاركة أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني في جلسات مجلس المحافظة، كانت خطوة إيجابية لاقت استجابة سريعة، حيث شارك أعضاء الحزب في جلسة يوم الثلاثاء الموافق 28 تموز 2026، لأول مرة، إلى جانب ممثلي جميع مكونات كركوك. وهي بداية مشجعة يمكن البناء عليها لتوسيع دائرة التفاهم على مستوى العراق كله.

ولا سبيل إلى ذلك إلا بالحوار المباشر وتوحيد الرؤى بين القيادات السياسية. ولعل اللقاء الذي جمع الزعيمين اليوم، الخميس، يشكل بداية مرحلة جديدة من العمل الوطني المشترك، بما يخدم العراق وشعبه، ويعزز أمنه واستقراره، بإذن الله.

قد يعجبك ايضا