مسعود البارزاني… عندما يكون التسامح عنوانًا للقادة

عرفان الداوودي

ليست القيادة الحقيقية في كثرة الردود، ولا في مجاراة كل إساءة، وإنما في القدرة على تجاوزها، والإيمان بأن التاريخ هو الحكم العادل بين الناس. ومن يتأمل مسيرة الرئيس مسعود البارزاني يجد أن كثيرًا من الحملات الإعلامية والاتهامات التي وُجهت إليه عبر السنوات لم تدفعه إلى الانجرار وراء لغة الإساءة أو الرد بالمثل، بل آثر الصمت في مواقف كثيرة، إيمانًا بأن الأيام كفيلة بإظهار الحقائق.

لقد علمنا القرآن الكريم أن العفو من شيم الكبار، فقال تعالى:

﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
(سورة النور: 22).

وقال سبحانه:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
(سورة فصلت: 34).

وقال عز وجل:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
(سورة آل عمران: 134).

كما قال رسول الله ﷺ:

“ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا.”
رواه مسلم.

وقال ﷺ:

“ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.”
متفق عليه.

لقد شهدت الساحة السياسية خلال السنوات الماضية صدور تصريحات قاسية من بعض السياسيين بحق الرئيس مسعود البارزاني، وصلت إلى حد توجيه أوصاف واتهامات جارحة. لكن اللافت أن كثيرًا ممن كانوا يهاجمونه عادوا في مراحل لاحقة ليصفوه بالقائد الوطني ورجل الحوار والسلام، وهو ما يعكس أن المواقف قد تتغير، أما الثبات في المبادئ فهو الذي يبقى.

إن الخلافات السياسية ينبغي أن تبقى ضمن إطارها الطبيعي، فهي خلافات في الرؤى والبرامج، وليست مبررًا للإساءة الشخصية أو التخوين أو بث الكراهية. فلا الشعب الكوردي يحمل عداءً للشعوب العراقية، ولا القيادات الكوردية تدعو إلى الخصومة مع أبناء الوطن، بل إن العراق لا يبنى إلا بالشراكة والاحترام المتبادل بين جميع مكوناته.

ومن المواقف الإنسانية التي لا يمكن إنكارها أن إقليم كوردستان استقبل خلال سنوات الحرب والإرهاب أعدادًا كبيرة من النازحين من مختلف المحافظات العراقية، واحتضنهم دون تمييز، وكان هذا الموقف محل إشادة من جهات محلية ودولية عديدة. وفي أكثر من مناسبة، أكد الرئيس مسعود البارزاني أهمية حماية النازحين واحترام كرامتهم، وأن أمنهم وسلامتهم مسؤولية الجميع.

إن القادة الحقيقيين لا يقاسون بعدد الخطب، بل بما يتركونه من أثر في نفوس الناس. والتسامح ليس ضعفًا، وإنما هو قوة أخلاقية لا يمتلكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وكما يقول المثل العربي: “إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرًا للقدرة عليه.”

ويبقى الحوار، والاحترام، والابتعاد عن لغة التخوين، الطريق الأقصر لبناء عراقٍ يسوده السلام، لأن الأوطان لا تُبنى بالأحقاد، وإنما تُبنى بالعقول الحكيمة والقلوب المتسامحة.

قد يعجبك ايضا