الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
حين تحلُّ ذكرى أربعينية الإمام الحسين رضي الله عنه، لا يقف الأحرار عند حدود حدثٍ تاريخي مضى، بل يستحضرون رسالةً خالدةً عنوانها أن الظلم مهما اشتد، لا يستطيع أن يطمس الحق، وأن دماء الأبرياء تبقى أمانةً في أعناق الأحياء حتى تُنصف، أو على الأقل لا تُنسى.
لقد بقي الإمام الحسين رضي الله عنه رمزًا للموقف والثبات، وأصبحت كربلاء في الوجدان الإنساني مدرسةً تُذكِّر الأجيال بأن المظلوم قد يُقتل، لكن قضيته تبقى حيَّة، وأن الطغيان مهما امتلك من قوة، فإن التاريخ لا يخلِّد إلا أصحاب المبادئ.
ومن هذا المنطلق، يستحضر شعب كوردستان في هذه الأيام ذكرى أنفال البارزانيين عام 1983، تلك الفاجعة التي خُطف فيها آلاف الرجال من ديارهم، وفقدتهم عائلاتهم، وظلت سنوات طويلة تنتظر معرفة الحقيقة الكاملة وإنصاف الضحايا. إنها مأساة إنسانية لا ينبغي أن تُقرأ بمنظار السياسة وحدها، بل بمنظار الضمير والعدالة وحقوق الإنسان.
لقد مضت عقود، وتعاقبت الحكومات، لكن جراح الأمهات لم تجف، ودموع الأرامل لم تنقطع، وألم الأبناء الذين كبروا وهم يفتقدون آباءهم ما زال حاضرًا. إن الزمن لا يمحو المظالم، وإنما يزيد مسؤولية الأحياء في المطالبة بالحق، وإكرام ذكرى الضحايا، والعمل على ألا تتكرر مثل هذه الجرائم بحق أي شعب أو إنسان.
إن استذكار الأنفال في أيام أربعينية الإمام الحسين رضي الله عنه ليس استغلالًا لذكرى دينية، بل هو استحضارٌ لمعنى إنساني خالد، هو أن نصرة المظلوم واجب، وأن الوقوف إلى جانب الضحايا شرف، وأن العدالة لا تكتمل إلا بالاعتراف بالجرائم، وإنصاف أهلها، وحفظ كرامة الإنسان.
فالأمم التي تريد مستقبلًا آمنًا لا تخفي صفحات الألم، بل تواجهها بالحقيقة، وتُكرم ضحاياها، وتبني جسور المصالحة على أساس العدل، لا على أساس النسيان. فلا سلام دائم بغير عدالة، ولا مصالحة حقيقية بغير إنصاف.
وفي هذه الذكرى، نترحم على الإمام الحسين رضي الله عنه، ونسأل الله الرحمة لجميع ضحايا الأنفال، وأن يُلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يجعل من ذكراهم منارةً تدعو إلى رفض الظلم، وصيانة الكرامة الإنسانية، وترسيخ قيم العدل والرحمة بين الشعوب.
سيبقى التاريخ شاهدًا على أن المظلوم قد يُغيَّب جسده، لكنه لا يُغيَّب عن ضمير الأحرار، وأن دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، بل تبقى نداءً أخلاقيًا يطالب بالحق والعدالة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.