نبيل عبد الأمير الربيعي
يصعب الحديث عن جان دمو بوصفه شاعراً فحسب؛ فالرجل كان ظاهرة إنسانية وثقافية نادرة في تاريخ الأدب العراقي الحديث. لقد عاش الشعر قبل أن يكتبه، وجعل من حياته نصاً مفتوحاً على الفقر والتشرد والحرية والتمرد، حتى غدت سيرته الشخصية أكثر شهرة من نتاجه الشعري نفسه.
وفي تاريخ الأدب العربي أسماء كثيرة ارتبطت بالإبداع، غير أن قلة قليلة تحولت إلى أسطورة وهي ما تزال على قيد الحياة. وكان جان دمو أحد هؤلاء. فقد عاش خارج القوالب الاجتماعية، ورفض أن يكون موظفًا في بلاط السلطة، أو شاعراً يبحث عن الجوائز والأوسمة، أو مثقفاً يساوم على استقلاله الفكري. ولذلك بقي طوال حياته أقرب إلى (الشاعر الصعلوك)، الذي يحمل العالم في جيبه المثقوب، ويكتفي بقصيدة وكأس خمر وصديق يؤمن بالشعر.

ولد جان دمو في مدينة كركوك عام 1943، وسط أسرة آشورية فقيرة، كانت كغيرها من الأسر العراقية الكادحة، ترى في الابن مشروعاً لمستقبل العائلة. غير أن الفتى اختار طريقًا آخر، طريقاً لم يكن يقود إلى الوظيفة أو الاستقرار، بل إلى الشعر والترحال والتشرد.
في مدارس كركوك عرف بتفوقه في الرياضيات، ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك الطالب الهادئ إلى واحد من أبرز رموز الحداثة الشعرية العراقية. لكن القراءة غيرت مسار حياته؛ إذ انفتح مبكراً على الأدب الإنجليزي، وقرأ الشعر الأوروبي بلغته الأصلية، فاكتشف عالمًا مغايراً تماماً لما كان سائداً في القصيدة العربية آنذاك.
لم يكن الشعر بالنسبة إليه صناعة لغوية أو تمريناً بلاغياً، بل طريقة مختلفة للنظر إلى العالم. لذلك جاءت قصائده غرائبية، مشبعة بالسريالية والرمزية، ومتحررة من القوالب التقليدية. ولم يكن غريباً أن يجد في بودلير وسارتر ورامبو ما ينسجم مع روحه القلقة، فكان يعدّهم رفاقاً في المنفى الروحي، أكثر من كونهم مجرد كتّاب يقرأ لهم.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن جان دمو، على الرغم من مكانته الأسطورية، لم يترك إنتاجاً شعرياً غزيراً. فقد كان يكتب قليلاً، ويهمل كثيراً، ويضيع معظم ما يكتبه بين الحانات، وبيوت الأصدقاء، ومحطات السفر، حتى أصبحت سيرته الشخصية أكثر حضوراً من دواوينه. وكأن حياته نفسها كانت القصيدة الكبرى التي لم تتسع لها صفحات الكتب.
كان مظهره الخارجي امتداداً لتمرده الداخلي؛ ملابس رثة، وهيئة لا تشبه الصورة التقليدية للشاعر، وحياة لا تعرف الاستقرار. ومع ذلك، امتلك كاريزما خاصة جعلته محبوباً بين أصدقائه، بل إن كثيراً من شعراء جيله رأوا فيه نموذجاً نادراً للحرية الشخصية التي لم تستطع السلطة ولا المجتمع تدجينها.
لم يكن جان دمو يطلب البطولة، لكنه كان يمارسها بطريقته الخاصة. ففي زمن كان الخوف فيه قانوناً عاماً، ظل يسخر من السلطة، ويهزأ من الخطاب الرسمي، ويرفض أن يتحول إلى شاعر يمجد الحروب أو يكتب قصائد المديح السياسي. وكانت سخريته، في كثير من الأحيان، أكثر إيلاماً من أي خطاب معارض، لأنها كانت تنبع من روح لا تعترف بالخوف أصلاً.
ومن هنا، فإن دراسة تجربة جان دمّو لا تعني الوقوف عند حدود شعره فحسب، وإنما تعني أيضاً قراءة مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة العراقية، حيث كان المثقف يعيش بين مطرقة الاستبداد وسندان المنفى، وبين حلم الحرية وقسوة الواقع، ليصبح وجوده نفسه فعل مقاومة، حتى وإن لم يحمل سوى قصيدة لم تكتمل.
ولعل هذا ما يفسر بقاء اسم جان دمو حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية، رغم مرور سنوات طويلة على رحيله، ورغم محدودية ما نشره من أعمال. فالناس لا تتذكره لأنه كتب كثيراً، وإنما لأنه جسد، بكل تناقضاته، صورة الشاعر الذي اختار أن يدفع حياته ثمنًا لحريته، وأن يعيش وفياً لقناعاته حتى النهاية.
لا يمكن قراءة تجربة جان دمو بمعزل عن جماعة كركوك، تلك الجماعة الأدبية التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين، وشكلت واحدة من أهم الظواهر الثقافية في تاريخ الحداثة العراقية. فقد كانت كركوك، بما امتلكته من تنوع قومي ولغوي وديني، فضاءً استثنائياً أتاح لشبابها الاطلاع على الآداب العالمية بلغاتها الأصلية، وهو ما منح تجربتهم الشعرية خصوصية لم تكن مألوفة في المدن العراقية الأخرى.
ضمت الجماعة أسماءً تركت أثراً بالغاً في الثقافة العربية، من بينهم فاضل العزاوي، وسركون بولص، وصلاح فائق، ومؤيد الراوي، وزهدي الداوودي، وأنور الغساني، ويوسف سعيد، ثم جان دمو الذي ظل أكثرهم غرابةً وأشدهم تمرداً على الحياة نفسها.
ولم يكن الرابط بين هؤلاء مجرد الانتماء إلى مدينة واحدة، بل كان مشروعاً ثقافياً يطمح إلى تحرير القصيدة من قيود البلاغة التقليدية، وإدخال الحس الوجودي والسريالي والرمزي إلى الشعر العربي. وقد جاءت قراءاتهم المبكرة لأعمال بودلير، ورامبو، وإليوت، ولوركا، وباوند، وسارتر، لتفتح أمامهم أفقاً جديدًا، جعل القصيدة فعلًا معرفيًا لا مجرد بناء لغوي.
وقد أشار فاضل العزاوي، في كتابه (الروح الحية)، إلى جان دمو بوصفه أحد أفراد هذه الجماعة، موضحاً أنه لم يتنبه مبكراً إلى موهبته، لكنه استعاد صورته عندما قرأ إحدى قصائده المنشورة عام 1964، ليكتشف شاعراً يمتلك حساسية مختلفة عن أبناء جيله.
تكمن خصوصية جان دمو في أنه لم يكن شاعراً غزير الإنتاج، بل شاعراً نادر الكتابة. كان يؤمن أن القصيدة لا تصنع بالإكثار، وإنما تولد من تجربة وجودية عميقة. لذلك بقي ديوانه الوحيد (أسمال) شاهداً على شاعر كتب أقل مما عاش، بينما ضاعت عشرات القصائد بين المنافي والحانات وبيوت الأصدقاء.
كان يرى أن الشعر ليس مهنة، ولا وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل طريقة في الوجود. ولهذا جاءت حياته امتداداً لقصيدته؛ فقد اختار التشرد بإرادته، ورفض الاستقرار الوظيفي، وعاش خارج الحسابات اليومية التي يخضع لها الآخرون.
تتميز لغة جان دمو بالابتعاد عن الخطابة والبلاغة التقليدية، والاقتراب من الصورة المفاجئة واللغة اليومية التي تتحول فجأة إلى رؤيا شعرية. ومن المقاطع القصيرة التي تعبر عن هذا العالم قوله:
(في صيفٍ كلُّه أسرارٌ…)
هذه البداية المكثفة تكشف ميله إلى بناء عالم غرائبي، حيث تتحول الطبيعة إلى رمز نفسي، ويصبح الصيف فضاءً للأسرار لا للفصول.
وفي موضع آخر يكتب:
(تحت مياهِ الجرح…)
وهي صورة تختزل قدرة الشاعر على الجمع بين المتناقضات؛ فالماء، الذي يوحي بالحياة، يقترن بالجرح، فينشأ توتر دلالي يعكس رؤيته القلقة للعالم.
لم يدخل جان دمو في صراع مع السلطة السياسية فحسب، بل دخل أيضاً في صراع مع المؤسسة الثقافية. لم يكن يحرص على حضور الأمسيات، ولا على نشر أعماله، بل كان كثيراً ما ينسحب إلى الحانات، تاركاً الجمهور ينتظره.
وتروي الذاكرة الثقافية العراقية حادثةً شهيرة حين أقيمت له ندوة في اتحاد الأدباء، فغاب عنها، لأنه كان يحتسي الخمر في حانة مجاورة، ولم يحضر إلا بعد أن ذهب إليه الشاعر عريان السيد خلف وأعاده إلى القاعة.
ولم يكن ذلك استخفافاً بالجمهور بقدر ما كان تعبيراً عن شخصيته الرافضة لكل أشكال الانضباط المؤسسي، فقد كان يؤمن أن الشاعر لا يقاس بعدد محاضراته، وإنما بصدقه مع نفسه.
ورغم أن منجز جان دمو المنشور محدود، فإن تأثيره في المخيلة الثقافية العراقية كان أكبر من حجم إنتاجه. لقد تحولت حياته إلى أسطورة، وصار اسمه يقترن بالشاعر الذي رفض الترويض، وعاش حراً حتى وهو يدفع ثمن تلك الحرية فقراً وتشرداً ووحدة.
ولعل المفارقة الأعمق أن كثيراً من معاصريه تركوا دواوين كثيرة، بينما ترك هو سيرةً أصبحت جزءاً من تاريخ الشعر العراقي الحديث، حتى غدا الحديث عن جان دمو حديثاً عن معنى الحرية نفسها، أكثر من كونه حديثاً عن شاعر فحسب.
لم يكن المنفى بالنسبة إلى جان دمو حدثاًوجغرافياً فحسب، بل كان قدراً وجودياً لازمه حتى وهو داخل وطنه. فقد عاش اغتراباً مبكراً عن المجتمع، وعن المؤسسة الثقافية، وعن السلطة، حتى بدا وكأنه يحمل منفاه في داخله أينما ذهب. ولهذا لم يكن انتقاله من كركوك إلى بغداد، ثم إلى بيروت وعمان، وأخيراً إلى أستراليا، سوى محطات في رحلة طويلة من البحث عن مكان يتسع لروحه القلقة.
حين انتقل جان دمو إلى بغداد في ستينيات القرن الماضي، كانت العاصمة العراقية تعيش واحدة من أكثر مراحلها الثقافية ازدهاراً. المقاهي الأدبية، واتحاد الأدباء، والصحف والمجلات، كانت تصنع مشهداً ثقافياً حيوياً، لكنه كان يتقاطع مع واقع سياسي يزداد قسوةً وانغلاقاً.
وجد جان نفسه في قلب هذه المفارقة؛ فمن جهة كانت بغداد تمنحه فرصة اللقاء بكبار الشعراء والكتاب، ومن جهة أخرى كانت السلطة تضيق الخناق على المثقفين، وتطالبهم بأن يكونوا جزءاً من خطابها الدعائي.
لم يكن جان من أولئك الذين يجيدون التكيف مع السلطة، أو المساومة على استقلالهم الفكري. ولذلك ظل يعيش على هامش المؤسسة الثقافية، يرفض الانضباط الوظيفي، ويبتعد عن أي دور يمكن أن يقيد حريته، حتى وإن دفع ثمن ذلك فقراً دائماً.
وقد عمل فترةً في أرشيف جريدة الجمهورية، لكن روحه الساخرة لم تسمح له بالاندماج في الخطاب الرسمي. وتروى عنه حادثة أصبحت من طرائف الثقافة العراقية، حين طلب منه أثناء الحرب العراقية الإيرانية أن يجلب صوراً من الحرب، فأجاب مستغرباً: (أي حرب؟). لم تكن العبارة إنكاراً لوقوع الحرب، بل احتجاجاً ساخراً على محاولة تحويل المأساة الإنسانية إلى مادة إعلامية تخدم السلطة.
في ثمانينيات القرن الماضي، حين أصبحت الحرب لغة الحياة اليومية، كان كثير من الأدباء يعيشون بين الصمت والإكراه. أما جان دمو، فقد اختار طريقاً مختلفاً؛ لم يكن خطيباً سياسياً، ولم يكتب بيانات معارضة، لكنه مارس مقاومته بالسخرية، وبالامتناع عن المشاركة في صناعة الوهم.
كان يدرك أن السلطة تستطيع أن تفرض الخوف، لكنها تعجز عن السيطرة على روح لا تعترف إلا بحريتها. ولهذا بقي بالنسبة إلى أصدقائه نموذجاً للمثقف الذي رفض أن يتحول إلى موظف في جهاز الدعاية، أو شاعر مناسبات، أو كاتب يبيع ضميره مقابل الامتيازات.
عام 1974 غادر العراق إلى بيروت، المدينة التي كانت آنذاك ملاذاً للمثقفين العرب الهاربين من الاستبداد. وهناك وجد هامشاً أوسع للتنفس، لكنه لم يجد الاستقرار الذي كان يحتاج إليه.
عاش في بيروت حياة شديدة القسوة؛ يتنقل بين الأصدقاء، وينام أحياناً فوق أسطح البنايات، أو في أماكن مؤقتة لا تصلح للإقامة. وتروي الشهادات أنه كان يمنح بعض قصائده لقاء وجبة طعام، وكأن الشعر أصبح عملته الوحيدة في مواجهة الجوع.
لكن حتى هذا الرصيد الرمزي لم يسلم من الضياع؛ إذ فقدت مجموعة من قصائده بعدما احتفظ بها أحد معارفه، لتلتحق بعشرات النصوص التي ضاعت في أسفار الشاعر، حتى غدا المفقود من شعره أكثر مما وصل إلينا.
بعد حرب الخليج الثانية، وجد جان دمو نفسه في عمان، المدينة التي تحولت خلال تسعينيات القرن الماضي إلى محطة رئيسة للمثقفين العراقيين المنفيين.
هناك عاش كما عاش كثير من العراقيين؛ غرف صغيرة، أعمال متقطعة، وإقامة غير مستقرة، وقلق دائم بشأن المستقبل. إلا أن أصدقاءه من الشعراء والكتاب كانوا سنداً له، وفي مقدمتهم سعدي يوسف، الذي ظل قريباً منه، مدركاً أن جان لا يحتاج إلى المال بقدر حاجته إلى من يؤمن بحقه في أن يعيش كما يشاء.
كانت عمان بالنسبة إليه مدينة مزدوجة؛ تمنحه الأمان من بطش السلطة، لكنها لا تمنحه وطناً بديلاً. ولذلك ظل يشعر أن المنفى ليس مكانًا، بل حالة نفسية يصعب مغادرتها.
في أواخر حياته، تقدم جان دمو بطلب اللجوء إلى الأمم المتحدة، مدعوماً بشهادة من الشاعر سعدي يوسف، فحصل على فرصة السفر إلى أستراليا، حيث كان شقيقه غيلان يقيم هناك.
كان يتصور أن تلك الرحلة ستضع حداً لسنوات التشرد، وأنه سيبدأ حياة أكثر هدوءاً. وبالفعل استقبله شقيقه بحفاوة، غير أن المنافي لا تشفى بسهولة؛ فقد حمل معه ذاكرته العراقية بكل ما فيها من خسارات، وظل يشعر أن جزءاً من روحه بقي معلقاً في شوارع بغداد، وحانات كركوك، وأرصفة بيروت، وغرف عمّان الضيقة.
تكمن فرادة جان دمو في أنه لم يتحول إلى أسطورة بسبب كثرة إنتاجه، وإنما بسبب تطابق حياته مع أفكاره. فقد عاش كما كان يكتب؛ بلا أقنعة، وبلا حسابات، وبلا رغبة في الشهرة أو السلطة.
ولهذا بقي حضوره في الذاكرة الثقافية العراقية أكبر من حجم منجزه المنشور. فما زال اسمه يستدعى كلما جرى الحديث عن الحرية الفردية، أو عن الشاعر الذي اختار الهامش على المركز، والفقر على الامتياز، والاستقلال على التبعية.
لقد كتب كثير من شعراء جيله دواوين أكثر، لكن قليلين منهم استطاعوا أن يحولوا حياتهم إلى نص مفتوح، وأن يجعلوا من وجودهم نفسه موقفاً شعرياً. ومن هنا، فإن جان دمو لم يكن مجرد شاعر من جماعة كركوك، بل كان أحد أكثر رموزها راديكالية، وأشدها وفاءً لفكرة الحرية، حتى وإن دفع ثمنها عمراً كاملاً من الوحدة والتشرد.
إذا كانت حياة جان دمو قد تحولت إلى أسطورة في الذاكرة الثقافية العراقية، فإن ديوانه الوحيد (أسمال) يمثل المفتاح الأهم لفهم عالمه الشعري. فالديوان لا يقرأ بوصفه مجموعة قصائد متفرقة، بل بوصفه وثيقة جمالية تكشف عن شاعر كان يرى العالم بعين مختلفة، ويكتب من منطقة تقع بين الواقع والحلم، وبين السخرية والمأساة، وبين الفقر بوصفه تجربة معيشة، والحرية بوصفها قدراً لا يمكن التراجع عنه.
ولعل أكثر ما يميز شعر جان دمو هو رفضه الصريح للبلاغة التقليدية. فهو لا يكتب القصيدة بوصفها بناءً لغوياً مزخرفاً، وإنما بوصفها كشفاً داخلياً، يقترب أحياناً من الهذيان الجميل، وأحياناً من التأمل الفلسفي، وأحياناً أخرى من اليوميات العابرة التي تتحول، بفضل حساسيته الشعرية، إلى صور نابضة بالحياة.
لم يكن معنياً بالموسيقى الخارجية للقصيدة، ولا بالزخارف اللفظية، بل كان يبحث عن موسيقى أخرى، كامنة في الصورة، وفي المفارقة، وفي الصمت الذي يسبق الكلمات أو يعقبها. ولهذا جاءت قصائده مقتصدة في اللغة، لكنها واسعة في الدلالة، تستدعي القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى، بدل أن تمنحه معنى جاهزاً.
وقد تأثر جان دمو بعمق بالشعر الأوروبي الحديث، ولا سيما بشعراء مثل شارل بودلير وآرثر رامبو، كما وجد في الفلسفة الوجودية، وخصوصاً لدى جان بول سارتر، ما ينسجم مع رؤيته للحرية الفردية والمسؤولية الأخلاقية. غير أن هذا التأثر لم يتحول إلى تقليد، بل انصهر في تجربة عراقية خالصة، صنعت لغتها الخاصة، المنبثقة من شوارع كركوك وبغداد، ومن المقاهي الشعبية، والحانات، ومنافي العرب.
وعندما نقارن جان دمو بأصدقائه في جماعة كركوك، نجد أن لكل واحد منهم مشروعه المختلف. فسركون بولص اتجه إلى بناء قصيدة كونية تستند إلى ثقافة عالمية واسعة، بينما انشغل فاضل العزاوي بالتجريب الفكري والسردي، ومال صلاح فائق إلى لغة التأمل والاقتصاد الشعري. أما جان دمو، فقد بقي شاعر الهامش الإنساني، يكتب من قلب التجربة اليومية، ويحول تفاصيل العيش القاسي إلى مادة شعرية.
ولعل المفارقة الكبرى في تجربته أنه أصبح شخصية أسطورية رغم قلة إنتاجه. فكثير من الشعراء تركوا عشرات الدواوين، لكن أسماءهم تراجعت مع الزمن، في حين ظل اسم جان دمّو حاضرًا بقوة، لأن حضوره لم يكن قائماً على عدد القصائد، بل على صدق التجربة وفرادة الشخصية. لقد تحولت حياته نفسها إلى نص مواز لقصائده، حتى بدا وكأن شعره لا ينتهي عند حدود الصفحة، بل يمتد إلى سلوكه اليومي، وإلى طريقته في النظر إلى العالم.
لقد دفع ثمن هذا الاختيار باهظاً؛ عاش فقيراً، متنقلاً بين المنافي، معتمداً على كرم أصدقائه، بعيداً عن الاستقرار المادي والاجتماعي. لكنه، في المقابل، احتفظ بما كان يعدّه أثمن من كل ذلك: حريته. ولذلك لم يساوم على شعره، ولم يحوله إلى وسيلة للوجاهة أو الاقتراب من السلطة، بل ظل وفياً لفكرة أن الشاعر الحقيقي لا يكتب ما يرضي الآخرين، وإنما ما يمليه عليه ضميره.
واليوم، وبعد مرور سنوات على رحيله، ما يزال جان دمو يستحق قراءة جديدة، لا بوصفه (شاعراً متشرداً) فحسب، فهذه الصفة، على شهرتها، تختزل تجربته الثرية. إنه أحد الأصوات المؤسسة لقصيدة الحداثة العراقية، وأحد أبناء جماعة كركوك الذين نقلوا الشعر العربي من فضاء البلاغة التقليدية إلى فضاء الرؤيا والحداثة والتجريب.
لقد عاش جان دمو كما أراد، ومات كما عاش، تاركاً وراءه ديواناً صغيراً، ومخطوطات مبعثرة، وذكريات لا تحصى، لكن أثره ظل أكبر من كل ما كتب. وربما تكمن عظمته في هذه المفارقة؛ فقد كان قليل الكلام على الورق، كثير الحضور في الذاكرة، وكأن حياته نفسها كانت القصيدة التي لم تكتمل، لكنها بقيت مفتوحة على تأويلات لا تنتهي.
إن إعادة قراءة جان دمو اليوم ليست استذكاراً لسيرة شاعر رحل، بل هي استعادة لمرحلة كاملة من تاريخ الثقافة العراقية، مرحلة كان الشعر فيها فعل مقاومة، وكانت الحرية مشروع حياة، وكان المنفى قدراً يتقاسمه الشعراء مع أوطانهم. ومن هنا فإن جان دمو سيظل واحداً من أكثر الأصوات الشعرية العراقية فرادة، لا بسبب ما تركه من نصوص فحسب، بل بسبب ما تركه من معنى؛ معنى الشاعر الذي اختار أن يعيش حراً، ولو كلفه ذلك أن يدفع حياته كلها ثمناً لتلك الحرية.