(هذا عنوان ونص مقابلة معي عمرها 32 عاماً، منشورة في مجلة الغد، الناطقة باسم الاتحاد الإسلامي لطلبة العراق، العدد 16، 1994، أعيد نشرها هنا، لمن يهتم بالاطلاع على التجارب).
السید علي المؤمن، كاتب شاب، من موالید النجف الأشرف فی العام 1964، مهتم بالمجال الفکري والثقافي الإسلامي، یشغل موقع رئیس تحریر مجلة التوحید (الفکریة الثقافیة) وکتاب التوحید (الفکري الفصلي) ومجلة الکوثر (الاجتماعیة الفصلیة)، له ستة مؤلفات مطبوعة في بیروت وطهران ولندن، وعدد في المؤلفات تحت الطبع، اضافة الی عشرات البحوث والدراسات المنشور في عدد من الدوریات العربیة. کل هذا وهو بعمر (29) سنة فقط.
التقته نشرة الغد في مکتبه بمجلة التوحید، وطرحت علیه مجموعة من الاسئلة، تتعلق بتجربته في المجال الکتابة والبحث، وکانت الحصیلة الحوار الثاني:
س1: کیف بدأتم بالکتابة وبممارسة العمل الاعلامي والصحافي؟
علي المؤمن: بسم الله الرحمن الرحیم. اشکر لکم هذه المبادرة واتمنی لکم التوفیق. اعتقد انه من غیر الصحیح ان یتحدث الانسان عن نفسه، وقد کنت أود أن أترك الاجابة الی بعض اخواني وزملائي، ولکنی ساجیب علی هذا السؤال الشخصي من خلال طرح تجربة عملیة اتمنی ان تکون مفیدة للآخرین، رغم اني ما زلت في بدایة الطریق واعتبر نفسي مبتدءاً في الکتابة والبحث.
الحقیقة ان هوایة القراءة لکتابة کانت موجودة عندي ومقدمة علی غیرها في الهوایات منذ الصغر. وقد بدأت بممارسة الکتابة والعمل الصحفي هوایةً منذ کان سني (13) عاماً، حیث اصدرت حینها نشرة یومیة اکتبها بالقلم الجاف اسمها (شؤون العائلة)، وهي تشبه في شکلها ومضمونها الصحف الیومیة، ولکنها خاصة بأخبار عائلتنا وبیتنا فقط، وکنت استنسخها بالکاربون واوزّع منها (10) نسخ فقط إلی افراد العائلة وبعض المقربین، وکانت تجربة جمیلة.
وحین کنت في الصف الرابع الثانوي کتبت بحثاً مطولاً عن الشاعر احمد شوقي فاز کأفضل بحث بین الطلبة، کما کتبت بحوثاً اخری للمدرسة. وحین انتقلنا الى إيران، بسبب ظلم النظام البعثي؛ بدأت اتعاون في بعض المراکز والمؤسسات الاسلامیة والثقافیة العراقية، وبدأت أکتب بشکل جادّ منذ العام 1981.
وحصلت النقلة الأولى في حياتي المهنية خلال العام 1982، حين أدخلنا حزب الدعوة الإسلامية دورة اعلامیة وصحفیة مکثفة في طهران، حیث عملت بعدها مباشرة مراسلاً لجریدة الجهاد في قم، وهی البدایة الحقیقیة في العمل الصحفي والکتابة، وحینها کنت فی سن (18) عاماً.
کما عملت في الوقت نفسه في المرکز الاسلامي للأبحاث السیاسیة، وتدرجت من موظف إداری عادی، ثم مسؤول للارشیف، ثم باحث مبتديء، ونشرت أولى بحوثي في العام 1984 في مجلة الحوار الفكري والسياسي الصادرة عن المركز، ثم أصبحت سکرتیراً لتحریر مجلة الحوار الفكري والسياسي منذ العام 1985، ومدیراً لتحریر مجلة رسالة الحسین فی العام 1990، ثم رئیساً لتحریر مجلة التوحید خلال العام 1992. وخلال هذه الفترة وحتی الآن طبعت لي ستة مؤلفات وکتاباً مترجماً. وشکراً لله علی نعمائه وفضله في کل الاحوال.
س2: تجربتکم التي تحدثتم عنها تشیر بوضوح إلی موفقیة جیدة، فما هو سر هذه الموفقیة؟ وهل من توجیه تقدمونه للشباب الذین یریدون البدء بالکتابة و للعمل الصحفي ومن ثم احترافهما؟
علي المؤمن: التوفیق من الله تعالی، هو الموفق وهو الوهاب؛ فالقابلیة علی الکتابة وعلی ادارة المشاریع الثقافیة هي موهبة کبقیة المواهب التي یتفضّل الباري تعالی علی منحها للعبد. فالسر الأساسي هو ما یهبه الله تعالی للانسان. اما ما یتعلق بالانسان نفسه، فواجبة بالدرجة الاساسي ان یشکر الله تعالی علی هذه الموهبة، ویدعوه علی ان یوفقه في استثمارها، ویحدد النیة بأن یستثمر هذه الموهبة في سبیل خدمة الوسائل والاهداف والغایان الالهیة، وعلی الوجه الصحیح. اي انه بعد شکر النعمة، یتوکل علی الله، ویصمم بإرادة حدیدیة واعیة وطموحة علی تنمیة هذه الموهبة بمختلف الاسالیب المشروعة.
وعلی مستوی الکتابة والعمل الصحفي وتنمیتها؛ أطرح الخطوات الاساسیة التالیة، التي لا بد منها لکل کاتب وصحافي:
1- أن یکون قارئاً من الدرجة الاولی، حتی الیوم الأخیر من عمره، قارئاً موسوعیاً لمختلف انواع المعارف، وتکون القراءة حول اسالیب الکتابة وطرقها ومناهجها وعن العمل الإعلامي، والعمل الصحفي، والإدارة الاعلامیة والصحفیة والثقافیة… الخ.
2- أن یکون علی اطلاع مركّز وکافي علی مختلف قضایا العقیدة الاسلامیة والفکر الاسلامي، لکي یکون محصّناً بما فیه الکفایة، لکی لا یتعرض للزلل أو الانحراف – لا سامح الله – ویستمر في تقویة الجانب الفکري والمعنوي في شخصيته.
3- الی جانب القراءات العامة والموسوعیة والحصانة العقائدیة والمعنویة، لابد من وضع برنامج للقراءة والمطالعة والدراسة للتخصص في مجال واحد في مجالات المعرفة، لتکون کتاباته تخصصیة، والتخصص هو الذي یطور الانسان وینمّیه ویجعله صاحب رأي في هذا المجال أو ذاك؛ فمثلاً یتخصص في الکتابات التاریخیة السیاسیة، أو التحلیل السیاسي أو الفکر الاسلامي المعاصر، أو الاقتصاد الاسلامي، أو شؤون دولة معینة… الخ. ولکل واحد في هذه التخصصات هناك تخصصات فرعیة، حیث ینتقل الیها الکاتب بمرور الزمن، مثلاً في مجال الکتابات التاریخیة السیاسیة، یتخصص في التاریخ السیاسي الاسلامي أو الاوربي، ویتخصص اکثر في هذه المجال –مثلاً- في التاریخ السیاسي الاسلامي الحدیث… الخ.
4- أن یعتبر نفسه دائماً انه لا یزال في بدایة الطریق وان علیه المزید من السعي للوصول الی ما یطمع، وهذا ما یدفع عنه داء الغرور الذي یقتل الموهبة والتوفیق والطموح. وفي الوقت نفسه یجب ان تکون لدیه ثقة کاملة بنفسه وبقابلیاته، لأن عدم الثقة بالنفس هي الاخری تقبل الموهبة والطموح، فلابد اذن في الموازنة بین التواضع والثقة بالنفس.
5- أن یستشیر دائماً من هم اکثر خبرة وتخصصاً منه، ویعرض علیهم نتاجاته، ویطلب منهم التوجیه، والافضل أن یکون للکاتب من 2-3 أشخاص فقط للاستشارة، یجعلهم بمثابة اساتذة له، وأن لا یترد في الالتزام بتوجیهاتهم حتی لو کانت متعبة له، خاصة حین یطلبون منه عدم نشر موضوعه الفلاني أو اعادة کتابة الموضوع الفلاني أو اعادة صیاغته…الخ. ویبقی یستشیر ویطلب التوجیه حتی لو اصبح کاتباً کبیراً ومعروفاً.
6- أن یکتب دائماً، لیس للنشر فقط، وانما لنفسه، وللتمرین والتدریب، فالنشر لیس هو الهدف، بل الهدف هو ان یصل الکاتب الی مستوی جید، یستطیع من خلاله ان یحترف الکتابة ویدخل هذا العالم في باب واسع ولکن علی شرط ان تکون حجم القراءات اکثر من الکتابات، أي یقرأ اکثر مما یکتب.
7- أن یکون دائماً مخلصاً للأهداف، وصاحب ارادة قویة جداً علی التطور والاستمرار، والنمو الافقي والعمودي، لا یکل ولا یمل، وفي حرکة دائبة وجد واجتهاد وسعي حثیث.
وأعتقد أن الالتزام بهذه الفقرات، بعد التوکل علی الله تعالی وإخلاص النیة وتحکیم الارادة علی التعلم والتطور؛ تجعل من الشاب الذي یرید دخول عالم الکتابة، کاتباً وصحفیاً ومهنیّاً جیداً وصاحب رأي وفکر في هذا المجال. والحمد لله رب العالمین.