محمد علي محيي الدين
يُعد إبراهيم حقي بن محمد بن رسول، المعروف بلقب «عرب» (1910–1970)، من الشخصيات الأدبية المتعددة المواهب في العراق خلال القرن العشرين، إذ تنقّل بين المسرح والقصة القصيرة والشعر، وترك بصمته كذلك في الأدب الشعبي، فكان واحداً من القلائل الذين جمعوا بين الفصحى والعامية، وبين الإبداع الأدبي والاهتمام بالتراث الشعبي. وقد مثّلت تجربته صورة للمثقف الذي لم يحصر نفسه في جنس أدبي واحد، بل جعل من الكتابة فضاءً رحباً للتعبير عن الإنسان والمجتمع وقضايا الوطن.
وُلد إبراهيم حقي محمد في بغداد سنة 1910، ونشأ في أحيائها التي كانت آنذاك تضج بالحركة الثقافية والفكرية، غير أن جذور أسرته تعود إلى مدينة راوندوز في محافظة أربيل، وهو انتماء ظل حاضراً في وجدانه، فاهتم بالشأن الأدبي والاجتماعي الكردي إلى جانب انشغاله بالحياة الثقافية العراقية العامة، جامعاً بين اعتزازه بأصوله الكردية وانتمائه الوطني الأوسع.
وقد بدأ مسيرته الأدبية مبكراً من بوابة المسرح، الذي كان يشهد في العراق خطواته الأولى نحو التأسيس، فكتب عدداً من المسرحيات، كان أبرزها مسرحية «الطيش» التي أخرجت وعُرضت في مدينة كركوك، بينما بقيت مسرحيات أخرى حبيسة المخطوطات، فلم تُطبع ولم ترَ خشبة المسرح، وهو ما حرم الأدب العراقي من الاطلاع على جانب مهم من تجربته الإبداعية.
ومع مرور الزمن، اتجه إلى القصة القصيرة، فوجد فيها مساحة أرحب لتصوير التحولات الاجتماعية والإنسانية. وأصدر مجموعته «بين الحقيقة والخيال» سنة 1937، وهي من أوائل أعماله المنشورة، ثم أتبعها بمجموعة «أزهار شائكة» التي صدرت عام 1950 وأعيد طبعها سنة 1951، بما يشير إلى ما لقيته من اهتمام لدى القراء في ذلك الوقت. وتكشف هذه الأعمال عن ميل واضح إلى المزج بين الواقع والخيال، وإلى معالجة القضايا الاجتماعية بلغة أدبية رشيقة، تجمع بين السرد المشوق واللمسة الإنسانية.
غير أن الشعر ظل المجال الأقرب إلى روحه، إذ انصرف إليه في مراحل لاحقة من حياته، فنشر قصائده في الصحف والمجلات العراقية، وكتب بالفصحى كما كتب باللهجة العامية، فكان من الشعراء الذين آمنوا بأن الإبداع لا تحدّه اللغة، وإنما تحدده القدرة على التعبير الصادق عن الإنسان وواقعه.
وبرز اسمه بصورة خاصة في الأدب الشعبي العراقي، حيث نظم الأبوذية والموال، وأظهر فيهما روحاً تجديدية واضحة. فقد ابتكر شكلاً جديداً من الموال أطلق عليه اسم «نصف الزهيري»، وهو بناء شعري يقوم على تقليص الصيغة التقليدية للزهيري مع المحافظة على إيقاعه وجماله الفني، في تجربة لاقت استحسان المهتمين بالأدب الشعبي، وأشاد بها الأديب علي الخاقاني في كتابه «فنون الأدب الشعبي»، معتبراً أنها تمثل إضافة متميزة إلى فنون الشعر العامي العراقي.
وكان إبراهيم حقي شاعراً رقيق الحس، يمتاز شعره بعذوبة التعبير وصدق العاطفة، ولذلك وصفه عدد من مترجميه بأنه «رقيق الشعر والشعور»، وهي عبارة تختصر جانباً من شخصيته الأدبية، إذ لم يكن يميل إلى الصخب اللفظي، بل إلى الكلمة الهادئة التي تستمد قوتها من صدق التجربة وصفاء الإحساس.
وإلى جانب نشاطه الأدبي، عمل موظفاً في شركة المخازن العراقية في منطقة باب المعظم ببغداد، وظل يجمع بين الوظيفة والكتابة، كما كان عضواً في اتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين، وأسهم من خلال مشاركاته الثقافية في إثراء الحياة الأدبية العراقية، محافظاً على حضوره في الأوساط الفكرية حتى سنواته الأخيرة.
ومن المؤسف أن جانباً مهماً من تراثه الأدبي لم يصل إلى القراء، إذ تشير المصادر إلى أنه ترك ديواناً شعرياً كاملاً، إضافة إلى ديوان آخر للقصائد السياسية بعنوان «الشرقيات»، غير أن مصيرهما بقي مجهولاً، كما أن عدداً من مسرحياته لم يُنشر ولم يُعرض، الأمر الذي يجعل إرثه الأدبي ناقصاً في صورته المتداولة، ويبرز الحاجة إلى البحث عن مخطوطاته وجمعها حفاظاً على جزء من ذاكرة الأدب العراقي.
توفي إبراهيم حقي محمد في بغداد سنة 1970، بعد حياة حافلة بالعطاء في أكثر من ميدان أدبي، تاركاً وراءه تجربة تستحق مزيداً من الدراسة، لأنها تمثل حلقة مهمة في تطور القصة القصيرة والمسرح والشعر الشعبي في العراق، كما تعكس قدرة الأديب العراقي على الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الأدب المكتوب والتراث الشفهي.
وقد استندت هذه السيرة إلى ما أورده معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ومعجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة لإميل يعقوب، ومعجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 لكامل سلمان الجبوري، فضلاً عن ما سجله علي الخاقاني في كتابه «شعراء بغداد من تأسيسها حتى اليوم» وكتابه «فنون الأدب الشعبي»، وهي مصادر رسمت صورة متكاملة لشخصيته الأدبية، وأبرزت إسهاماته في مجالات الشعر والقصة والمسرح والأدب الشعبي.