الأسباب الكامنة وراء غياب الحقوق وأفق الحلول الممكنة

الاستاذ الدكتور علاء شيال

في عالم تتسارع فيه عجلات التقدم، وتتنافس فيه الأمم على صدارة الابتكار والرفاهية، تظل حقيقة مؤرقة تطارد الكثير من المجتمعات، وهي أن مبادئ حقوق الإنسان، تلك القيم النبيلة التي يتغنى بها الجميع في المحافل الدولية، كثيراً ما تظل حبيسة النصوص القانونية، أو شعارات ترفع في المناسبات، ثم تعود لتخبو في واقع تعمقه ممارسات الإقصاء والتهميش، وكأن هناك فجوة هائلة بين ما نوقعه على الورق، وما نعيشه في حياتنا اليومية، وهذه الفجوة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمات عميقة، وأسباب متشابكة، تمتد من جذور ثقافية راسخة إلى بنى سياسية واقتصادية تحتاج إلى مراجعة جذرية، وفي مقابل هذه الأسباب، تظل الحلول الناجعة ممكنة، شريطة أن ننظر إلى حقوق الإنسان ليس كهدية تقدم للشعوب، بل كحق أصيل يسترد، وككرامة تعاد إلى مواطنها، وكجسر عبور نحو مستقبل أكثر إنسانية وازدهارا .

إذا أردنا أن نتلمس الأسباب الحقيقية التي تحول دون ترجمة حقوق الإنسان إلى واقع معاش، فإن أول ما يصادفنا هو ضعف المؤسسات وغياب سيادة القانون، ففي كثير من المجتمعات، تظل القوانين حبراً على ورق، لأن آليات تنفيذها واهية، وأجهزة القضاء غير مستقلة، والرقابة على أداء السلطات غائبة أو شكلية، وهذا الضعف المؤسسي يخلق بيئة خصبة للفساد والمحسوبية، حيث تصبح الحقوق سلعة توزع حسب الولاء لا حسب الاستحقاق، وحيث يضيع حق الضعيف أمام قوة القوي، ويتعذر على المواطن العادي أن ينتصف من مسؤول فاسد أو جهة متسلطة، وهنا تتكشف المفارقة الأعمق، وهي أن المجتمعات التي تعاني من غياب الحقوق، غالباً ما تكون هي نفسها المجتمعات التي تمتلك ثروات هائلة، لكن هذه الثروات تذوب في ثقوب الفساد بدلاً من أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق تخدم الجميع .

أما السبب الثاني الذي لا يقل خطورة، فهو الجهل القانوني وغياب الثقافة الحقوقية، فكثير من الناس لا يعرفون أن لهم حقوقاً أصلاً، أو لا يعرفون كيف يطالبون بها، وهنا يتحول المواطن من صاحب حق إلى متفرج ينتظر ما ستقدمه له الأقدار، وهذا الجهل ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج منظومة تعليمية تهمل التربية المدنية، وإعلام يغيب عنه التوعية الحقوقية، وخطاب ديني أو عشائري يكرس ثقافة الخضوع والولاء المطلق، بدلاً من ثقافة المواطنة المتساوية، والنتيجة أن يصبح الانتهاك حقاً مكتسباً، وتصبح المطالبة بالحقوق نوعاً من التمرد والعيب، وهكذا تظل الحقوق حبيسة دائرة النخبة المثقفة، بينما يظل الغالبية العظمى من الناس في وادٍ آخر، لا يدرون أن لهم صوتاً يجب أن يسمع، وحقاً يجب أن ينال .

وهناك سبب ثالث لا يمكن إغفاله، وهو التحديات الثقافية والموروثات الاجتماعية التي تكرس التمييز بين فئة وأخرى، ففي مجتمعاتنا ما زالت نظرة المرأة مختلفة عن نظرة الرجل، وما زال التمييز ضد ذوي الاحتياجات الخاصة أو الأقليات أو الفقراء ممارسة يومية مقبولة اجتماعياً، وهذه الموروثات لا تزول بقوانين تشرع من فوق، لأنها متجذرة في الوجدان الجمعي، وفي طريقة تربية الأبناء، وفي النكات اليومية، وفي توزيع الأدوار داخل الأسرة وخارجها، ولذلك فإن أي محاولة لتثبيت حقوق الإنسان تصطدم بجدار ثقافي سميك، يحتاج إلى وقت وجهد وتغيير تدريجي في الوعي، وليس فقط إلى قرارات إدارية .

لكن الأسباب مهما تعددت، لا تبقى بلا حلول، فالحل الأول والأهم يبدأ من إعادة بناء المؤسسات على أساس النزاهة والشفافية، فالعدالة لا تتحقق بقوانين جيدة فقط ، بل بقضاء نزيه يخشى الجميع هيبته ، وبجهاز رقابي قوي يحاسب الفاسدين دون استثناء، وبإدارة حكومية مفتوحة تتيح للمواطن الوصول إلى المعلومات ومشاركة القرار، وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لا تخشى من محاسبة نفسها، وإلى مجتمع مدني قوي يضغط من أجل الإصلاح ولا يكتفي بالتفرج، وقد أثبتت تجارب كثير من الدول أن التغيير المؤسسي وإن كان بطيئاً، إلا أنه الأكثر استدامة، لأنه يغير قواعد اللعبة من جذورها، ولا يكتفي بتغيير اللاعبين كل فترة .

أما الحل الثاني، فيكمن في التثقيف الحقوقي كمنهج حياة، يبدأ من المدرسة حيث تزرع في الطفل مبادئ المساواة واحترام الآخر، ويمتد عبر وسائل الإعلام التي تنقل قضايا الحقوق بأسلوب جذاب، وعبر الندوات والبرامج التوعوية التي تخاطب كل الفئات بلغة مفهومة، والتجربة أثبتت أن المجتمعات التي استثمرت في التوعية الحقوقية، شهدت تحولات نوعية في سلوك أفرادها، فأصبحوا أكثر جرأة في المطالبة بحقوقهم، وأكثر وعياً بواجباتهم، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الشعبوي والحقيقي، وهذا الوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة أي انتهاك، لأنه يخلق ضغطاً شعبياً لا تستطيع الحكومات تجاهله .

أما الحل الثالث، فهو محاربة الفساد بكل أشكاله، ليس فقط كجريمة أخلاقية، بل كأكبر عائق أمام تحقيق الحقوق، فالفساد يسرق أموال الضرائب التي يفترض أن تتحول إلى خدمات صحية وتعليمية، ويحول المشاريع التنموية إلى واجهات فارغة، ويحرم الفقراء من فرصهم في حياة كريمة، والحل لا يكمن في خطب حماسية، بل في آليات عملية مثل الرقابة الإلكترونية، وحماية المبلغين عن الفساد، وقوانين صارمة لتجريد المسؤولين الفاسدين من مكتسباتهم، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني في مراقبة المال العام، فكل جنيهاً يُمنع من السرقة هو جنيهاً يعود لمواطن يستحقه، وكل فاسد يُحاسب هو رسالة بأن الحقوق ليست مجرد شعارات .

أما الحل الرابع والأكثر عمقاً، فهو تعزيز المشاركة المجتمعية وجعل المواطن طرفاً فاعلاً في كل مراحل التخطيط والتنفيذ، فحين يشعر الفرد بأن له صوتاً مسموعاً، وأن رأيه يؤثر في قرارات تخص حياته، يتحول من خاضع إلى شريك، ومن متهم إلى صاحب مصلحة، وهذا النوع من المشاركة يحتاج إلى آليات مبتكرة مثل الموازنات التشاركية، والاستشارات العامة، ومجالس الأحياء، والاستفتاءات المحلية، وكلها أدوات أثبتت فعاليتها في تقريب المسافات بين الحكام والمحكومين، وفي خلق شعور بالملكية الجماعية للمشروعات الوطنية، مما يقلل من الهدر والفساد ويزيد من جودة الخدمات .

 

وفي ختام هذا التأمل، نعود إلى حقيقة واحدة لا تزيغ: أن حقوق الإنسان ليست حلماً بعيداً، ولا رفاهية تخص الأمم الغنية، بل هي جوهر الكرامة الإنسانية ، وهي الطريق الأقصر لمجتمعات آمنة ومزدهرة، وإن كانت الأسباب التي تعيقهاكثيرة ومعقدة، فإن الحلول أيضاً ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى صبر طويل، وإرادة جماعية، وشجاعة في مواجهة الموروثات الخاطئة، والمصالح الضيقة، وأهم من كل ذلك، حاجة إلى إيمان راسخ بأن كل إنسان يستحق أن يعيش حراً كريماً، وأن غداً أفضل يبدأ بخطوة نجرؤ على اتخاذها اليوم، فهل نجرؤ على البدء؟

 

قد يعجبك ايضا