محمد علي محيي الدين
يحتل الأستاذ أحمد سامي الجلبي مكانة متميزة في تاريخ الصحافة العراقية، ولا سيما الصحافة الموصلية، إذ لم يكن مجرد كاتب أو محرر صحفي، وإنما كان مؤرخاً للحياة الثقافية والإعلامية في مدينته، وواحداً من أولئك الذين أدركوا مبكراً أن الصحافة ليست وسيلة لنقل الأخبار فحسب، بل سجلٌ يحفظ ذاكرة المجتمع، ويصون أسماء رجاله، ويعيد قراءة منجزهم للأجيال اللاحقة. ومن هنا جاءت كتاباته عن رواد الصحافة والأدب في الموصل أقرب إلى دراسات توثيقية تجمع بين السرد التاريخي والتحليل النقدي، وهو ما منحها قيمة علمية وثقافية تجاوزت زمن نشرها.

ويشير الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف، في مقاله «قبل 17 عاماً أحمد سامي الجلبي يكتب عن محيي الدين أبو الخطاب»، المنشور في صحيفة الحوار المتمدن بتاريخ 7 تشرين الأول 2009، إلى أن من أجمل ما يميز الوسط الصحفي الحقيقي هو احترام الصحفيين بعضهم لبعض، وحرصهم على إنصاف زملائهم وتوثيق جهودهم بعيداً عن المنافسة الضيقة. ويعد العلاف المقال الذي كتبه أحمد سامي الجلبي عن محيي الدين أبو الخطاب، والمنشور في جريدة «الحدباء» بالعدد (526) الصادر في 16 حزيران 1992، نموذجاً راقياً لهذا الوفاء المهني، إذ لم يكتف الجلبي باستعراض سيرة أبي الخطاب، بل قدم قراءة نقدية متوازنة لشخصيته وأسلوبه وإسهامه في الصحافة العراقية.
ويكشف هذا المقال جانباً مهماً من شخصية أحمد سامي الجلبي نفسه، فهو لم يكن معنياً بالأحداث اليومية بقدر اهتمامه بتاريخ الصحافة ورجالها، وكان يؤمن بأن المؤسسات الثقافية لا تُبنى إلا بحفظ سير الرواد الذين صنعوا تقاليدها. لذلك جاءت كتاباته مليئة بالشواهد والوثائق، بعيدة عن الانطباعية، قائمة على المعرفة المباشرة بتاريخ الصحافة الموصلية، وهو ما جعلها اليوم مرجعاً مهماً للباحثين في تاريخ الإعلام العراقي.
وفي مقاله، اختار الجلبي أن يتناول شخصية الأديب والصحفي محيي الدين الشيخ شهاب، المعروف بـ «أبي الخطاب»، لأنه رأى فيه ظاهرة استثنائية في الأدب والصحافة العراقية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ويورد أن أبا الخطاب، المولود في الموصل سنة 1894، تلقى تعليمه في دار المعلمين، ثم التحق بدورة ضباط الاحتياط في إسطنبول خلال الحرب العالمية الأولى، وشارك في القتال على جبهتي القفقاس وفلسطين قبل أن يقع أسيراً لدى القوات البريطانية. وبعد انتهاء الحرب عاد إلى الموصل، وانخرط في التعليم، ثم في النشاط الوطني من خلال جمعية العلم السرية المناهضة للاحتلال البريطاني، قبل أن يدرس القانون ويمارس المحاماة، ليجد في الصحافة الميدان الأرحب للتعبير عن أفكاره.
ويستعرض أحمد سامي الجلبي، كما ينقل الدكتور العلاف، المراحل المختلفة لمسيرة أبي الخطاب الصحفية، بدءاً من عمله في جريدتي «المعارف» و«الرقيب»، ثم تأسيسه جريدة «الأديب» سنة 1936، وهي الصحيفة التي ارتبط اسمها باسمه حتى أصبحت عنواناً لمدرسته الصحفية والأدبية، قبل أن يتولى إدارة جريدة «المساء»، ثم يعمل في «الهلال»، ويعود بعد ذلك إلى إصدار «الأديب» مجدداً، ثم جريدة «صوت الأديب» سنة 1953، التي كانت آخر محطاته الصحفية.
ويبرز الجلبي في قراءته أن أبا الخطاب لم يكن صحفياً تقليدياً، وإنما كان ناقداً اجتماعياً من الطراز الأول، استخدم المقالة الصحفية أداة للإصلاح الاجتماعي، ولم يتردد في تناول قضايا الفقر والعدالة والتعليم والأخلاق العامة. ويستشهد بعناوين عدد من مقالاته، مثل «الغريب» و«من هو الفقير؟» و«نامت عيون الشعب عنكم يا بؤساء» و«المعلم» و«احفظوا لي عقيدتي وعاطفتي» و«ولكم أن تحكموا» و«عواطف شاب نحو الجندية العراقية»، مؤكداً أن هذه المقالات لم تكن مجرد تعليقات صحفية، بل كانت نصوصاً أدبية تمتاز بسلامة الذوق وبلاغة الأسلوب وروح السخرية الذكية، وهي الصفات التي جعلت أبا الخطاب قريباً من الناس ومؤثراً في الرأي العام.
ومن خلال عرضه لهذه التجربة، كان أحمد سامي الجلبي يقدم درساً في النقد الصحفي؛ فهو لم يكتف بالإشادة، بل حاول تفسير أسباب تميز أبي الخطاب، مبيناً أن قوته الحقيقية لم تكن في لغته وحدها، وإنما في قدرته على تحويل المقالة اليومية إلى عمل أدبي يحمل رؤية اجتماعية وفكرية، وهو تحليل يكشف عن وعي الجلبي بطبيعة الكتابة الصحفية ودورها في صناعة الوعي العام.
ولتعزيز هذه الصورة، أورد الجلبي شهادات عدد من كبار الأدباء، ومن أبرزها ما كتبه الأستاذ الدكتور عبد الجبار الجومرد، الذي وصف أبا الخطاب بأنه «فريد عصره، ونابغة في الأدب»، ورأى أنه سبق أبناء جيله في الفكر واللغة، حتى إن القارئ قد يعجز أحياناً عن مجاراة عمق فلسفته أو استيعاب غزارة أدبه. كما استشهد بالأبيات الشعرية التي نظمها الجومرد في مدحه، والتي صورت قلمه وكأنه «طبيب الأرواح والألباب»، وهي شهادة تعكس المكانة الأدبية التي احتلها أبو الخطاب بين معاصريه.
وأشار كذلك إلى أن الأستاذ والمربي محمود الجومرد خص أبا الخطاب بسلسلة طويلة من المقالات بلغت ثمانيةً وعشرين مقالاً نشرتها جريدة «الهلال» ابتداءً من سنة 1942، وهو ما يؤكد أن تأثيره لم يكن عابراً، بل كان ظاهرة أدبية وصحفية استدعت اهتمام كبار المثقفين في العراق.
كما سلط الجلبي الضوء على المعاناة التي واجهها أبو الخطاب بسبب مواقفه الجريئة، إذ تعرض للملاحقة والاعتقال أكثر من مرة خلال العهد الملكي، بتهمة الإساءة إلى الحكومة والسخرية منها. وقد أُحيل سنة 1951 إلى المحاكم، غير أن الدفاع الذي قدمه عنه المحاميان محمود الجلبي وحازم المفتي تحول إلى شهادة تاريخية في حقه، عندما أكدا أمام المحكمة أن صوت أبي الخطاب كان من الأصوات التي وقفت في وجه الظلم والإقطاع والانتهازية، وأن مقالاته كانت تعبر عن ضمير المجتمع لا عن مصالح شخصية. وانتهت المحاكمة بالإفراج عنه، في انتصار لحرية الكلمة آنذاك.
ولم تتوقف معاناته عند ذلك، ففي آب سنة 1952 تعرض لاعتداء جسدي من مجهولين أصيب خلاله بجروح خطيرة في رأسه، وسط استنكار واسع من أبناء الموصل ونقابة المحامين والصحف المحلية، التي رأت في الاعتداء استهدافاً مباشراً لحرية الصحافة. ويذكر الجلبي أن أصحاب الصحف الموصلية بعثوا ببرقية احتجاج أكدوا فيها أن الصحافة لا تستطيع أداء رسالتها في ظل الاعتداء على الصحفيين، وهو موقف يعكس روح التضامن المهني التي كانت سائدة بين الصحفيين العراقيين في تلك المرحلة.
ومن الجوانب الطريفة التي سجلها أحمد سامي الجلبي أن أبا الخطاب كان يمتلك قدرة استثنائية على الارتجال، إذ كان يقف إلى جانب عمال صف الحروف في المطبعة ويملي عليهم افتتاحية الجريدة مباشرة، دون أن يكتبها على الورق، في مشهد يجسد سرعة بديهته وتمكنه اللغوي وقدرته على صياغة المقالة من ذاكرته. ويؤكد الجلبي أن هذه الموهبة كانت واحدة من أسرار تميزه صحفياً وأدبياً.
كما لم يغفل الإشارة إلى خصومات أبي الخطاب الصحفية مع بعض أعلام الفكر، ومنهم المؤرخ عبد المنعم الغلامي والصحفي عبد الباسط يونس، لكنه أوضح أن تلك الخصومات كانت جزءاً من حيوية الحياة الثقافية آنذاك، ولم تتحول إلى عداوات شخصية، إذ كان أبو الخطاب سريع الصفح، طيب القلب، ينهي خلافاته بروح المحبة والاحترام.
إن قراءة أحمد سامي الجلبي لسيرة أبي الخطاب تكشف، في الوقت نفسه، عن شخصية الجلبي نفسه؛ فهو صحفي ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن الإنصاف فضيلة، وأن توثيق جهود الآخرين جزء من رسالة الكاتب. ولذلك لم يكن مقاله مجرد ترجمة لأبي الخطاب، بل كان دفاعاً عن تاريخ الصحافة الموصلية، وتأكيداً أن نهضة الصحافة العراقية قامت على أكتاف رجال امتلكوا الشجاعة الفكرية والموهبة الأدبية والالتزام الوطني.
وقد رحل أحمد سامي الجلبي تاركاً وراءه صفحات مضيئة من الكتابة الصحفية الرصينة، أسهمت في حفظ ذاكرة الموصل الثقافية، وأصبحت مقالاته اليوم من المصادر المهمة التي يعود إليها الباحثون في تاريخ الصحافة العراقية. ويظل اسمه مقترناً بجيل من الصحفيين الذين جعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن التوثيق رسالة، ومن الوفاء للرواد خلقاً مهنياً نبيلاً.
وقد اعتمدت هذه الترجمة على ما أورده الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقاله «قبل 17 عاماً أحمد سامي الجلبي يكتب عن محيي الدين أبو الخطاب» المنشور في صحيفة الحوار المتمدن بتاريخ 7 تشرين الأول 2009، فضلاً عن المادة الأصلية التي كتبها أحمد سامي الجلبي في جريدة «الحدباء» (العدد 526، 16 حزيران 1992)، وما تضمنته من توثيق وتحليل لإسهامات محيي الدين أبي الخطاب في تاريخ الصحافة والأدب العراقي.