د. رشيد الخيون… مشروع عراقي لإعادة قراءة التراث بعين العقل

نبيل عبد الأمير الربيعي

لا تقاس قيمة المفكر بعدد مؤلفاته أو الجوائز التي ينالها، وإنما بما يتركه من أثر في الوعي، وبقدرته على إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي يخشى الآخرون الاقتراب منها. فالمفكر الحقيقي لا يكتفي بتكرار الموروث، ولا يهادن اليقينيات السائدة، بل يحفر في طبقات التاريخ، ويعيد قراءة النصوص، ويستخرج منها ما غاب تحت ركام السياسة والأيديولوجيا. ومن هذا المنطلق، يحتل الدكتور رشيد الخيون مكانة خاصة في المشهد الثقافي العربي؛ إذ استطاع، على مدى أكثر من أربعة عقود، أن يؤسس مشروعاً فكرياً يقوم على قراءة التراث الإسلامي قراءة تاريخية نقدية، تستند إلى الوثيقة، وتحتكم إلى العقل، وتتحرر من سلطة التقديس التي كثيراً ما حجبت الحقيقة.
لم يكن مشروع الخيون وليد رغبة في إثارة الجدل، كما يحاول بعض خصومه أن يصوروه، بل جاء ثمرة رحلة طويلة من البحث في بطون المصادر القديمة، والاشتغال على النصوص، ومقارنة الروايات، وتحليل السياقات التاريخية التي نشأت فيها الأفكار والمذاهب. ولذلك فإن قراءة مؤلفاته تكشف عن باحث ينتمي إلى المدرسة التي ترى أن التاريخ ليس مجموعة من الأخبار، بل علم لفهم الإنسان وتحولات المجتمع وآليات تشكل السلطة.

ولد رشيد الخيون عام 1950 في الجبايش، تلك البقعة العراقية التي احتضنت الأهوار، وحفظت ذاكرة سومر، وبقيت شاهدة على تواصل الحضارات منذ آلاف السنين. ولم تكن هذه البيئة مجرد مكان للنشأة، بل أصبحت جزءاً من تكوينه الثقافي؛ فالعراق بالنسبة إليه ليس جغرافيا سياسية فحسب، بل هو تراكم حضاري يمتد من سومر وأكد وبابل وآشور إلى الدولة العربية الإسلامية، ثم إلى العراق الحديث. ولهذا نجد أن فكرة الهوية العراقية الجامعة حاضرة في معظم كتاباته، بوصفها نقيضاً للهويات الفرعية التي غذت الانقسامات الطائفية والسياسية.
بدأ حياته المهنية معلماً في بغداد، وهي تجربة منحته معرفة مباشرة بالمجتمع العراقي، قبل أن يغادر إلى اليمن، حيث درس في جامعة عدن، ثم واصل دراسته حتى حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة صوفيا عام 1991. وقد أتاح له هذا المسار الأكاديمي الاطلاع على المناهج الحديثة في دراسة التاريخ والأديان، وهو ما انعكس بوضوح على منهجه البحثي.
تميز الخيون بأنه لم يقع أسيراً لمنهج واحد، بل جمع بين التحقيق التاريخي، والتحليل الفلسفي، والمقارنة بين النصوص، والاستفادة من مناهج البحث الحديثة. فهو يبدأ دائماً من الوثيقة، ثم يضعها في سياقها التاريخي، ويقارنها بمصادر أخرى، قبل أن يصل إلى استنتاجاته. ولذلك يصعب العثور في كتبه على أحكام انفعالية أو خطابات دعائية، حتى عندما يتناول أكثر القضايا حساسية.
لقد انشغل مبكراً بتاريخ الفرق الإسلامية، ووجد أن كثيراً من الصور التي ترسخت في الوعي العربي عن تلك الفرق قد صاغها المنتصرون سياسياً، لا الحقيقة التاريخية. ومن هنا جاء اهتمامه بالمعتزلة، الذين رأى فيهم إحدى أهم التجارب العقلانية في الحضارة الإسلامية. ففي كتابيه (مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة) و(معتزلة البصرة وبغداد) أعاد الاعتبار إلى مدرسة حاولت أن تجعل العقل شريكاً للنص، وأن تفتح باب الاجتهاد أمام الإنسان.
غير أن مشروعه لم يتوقف عند المعتزلة، بل امتد إلى دراسة الأديان والطوائف التي عاشت في العراق والشرق، مثل الصابئة المندائيين والبهائية والبابية، انطلاقاً من قناعته بأن فهم التنوع الديني شرطٌ لفهم التاريخ العراقي. وقد جاءت كتبه عن هذه الجماعات بعيدة عن الأحكام المسبقة، فقدمها بوصفها ظواهر تاريخية وثقافية تستحق الدراسة العلمية، لا الاتهام أو الإقصاء.
ومن أكثر القضايا التي شغلت الخيون العلاقة بين الدين والسياسة. فهو يرى أن كثيراً من الصراعات التي تُقدَّم بوصفها دينية، كانت في حقيقتها صراعات على السلطة. ولذلك جاءت كتب مثل (لاهوت السياسة) و(ضد الطائفية: العراق… جدل ما بعد نيسان 2003) و(الخلافة التركية والولاية الإيرانية)؛محاولة لتفكيك هذا التشابك التاريخي بين المقدس والسياسي، وإظهار الكيفية التي استُخدمت بها النصوص الدينية في شرعنة السلطة أو معارضتها.
ولعل ما يميز الخيون أنه لا يطرح العلمانية بوصفها مشروعاً مستورداً من الغرب، بل يبحث عن جذورها داخل التراث الإسلامي نفسه، في التجارب العقلانية التي عرفها التاريخ الإسلامي، وفي الاجتهادات التي فسحت مجالاً للتعدد والاختلاف. إنه يدعو إلى تحرير العقل من سلطة الاحتكار الفكري، لا إلى القطيعة مع الدين، ولذلك فإن مشروعه أقرب إلى الدعوة لإصلاح التفكير الديني منه إلى مهاجمة الدين ذاته.
كما أولى اهتماماً خاصاً بالهوية العراقية، ورأى أن الطائفية ليست قدراً تاريخياً، بل ظاهرة سياسية حديثة جرى تضخيمها بفعل الصراعات على السلطة. وفي كتابه (بلاد الرافدين: ثوابت الجغرافيا وصور التعايش) يقدم قراءة تؤكد أن العراق عاش قروناً طويلة من التعدد الديني والقومي، وأن الحضارة العراقية قامت على التفاعل لا الإقصاء، وعلى التنوع لا الانغلاق.
ومن أبرز إنجازاته العلمية كتاب (أثر السود في الحضارة الإسلامية) الذي نال عنه جائزة الملك عبد العزيز للكتاب عام 2017. ففي هذا العمل أعاد قراءة حضور الأفارقة في الحضارة الإسلامية، مبيناً إسهاماتهم الفكرية والعلمية والسياسية، ومصححاً كثيراً من الصور النمطية التي كرستها بعض المصادر.
كما تُوِّجت مسيرته بحصوله على جائزة الإعلام العربي عام 2022 عن أفضل كاتب عمود صحفي، ثم جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2025 عن تحقيقه لكتاب (أخبار النساء) لأسامة بن منقذ، وهو تحقيق يجمع بين الدقة الأكاديمية والوعي التاريخي.
وتضم مكتبته عشرات الكتب التي أصبحت مراجع في مجالاتها، منها: (جدل التنزيل)، و(المباح واللامباح)، و(لصوص الأموال والنصوص)، و(كتاب الأربعاء)، و(صرعى العقائد)، و(قوس قزح)، إضافة إلى دراساته المهمة (النزاع على الدستور بين علماء الشيعة المشروطة والمستبدة) و(الفقه الشيعي والدستور: النائيني نموذجاً)، التي تناول فيها تطور الفكر الدستوري داخل المدرسة الشيعية، وأبرز دور المرجع الكبير الشيخ محمد حسين النائيني في الدفاع عن الدولة الدستورية والحد من الاستبداد.
ومع ذلك، فإن مشروع رشيد الخيون لم يكن بمنأى عن النقد. فقد وُجهت إليه ملاحظات من باحثين ينتمون إلى اتجاهات فكرية ودينية مختلفة، رأى بعضهم أنه يميل أحياناً إلى تأويل بعض الوقائع التاريخية بما يخدم رؤيته النقدية، فيما اعتبر آخرون أن بعض استنتاجاته تحتاج إلى مزيد من النقاش. غير أن هذه الاختلافات لا تنتقص من أهمية مشروعه، بل تؤكد حضوره في قلب الجدل الفكري العربي، لأن المشاريع الحية هي التي تثير الحوار ولا تكتفي بإعادة إنتاج المألوف.
ولعل أكثر ما يلفت في شخصية الخيون هو وفاؤه للعراق، رغم سنوات الاغتراب الطويلة. فما زال العراق يحتل مركزاً أساسياً في مقالاته ودراساته، ليس بوصفه وطناً فحسب، بل بوصفه فكرة حضارية ينبغي الدفاع عنها. إنه يرى أن الخروج من الأزمات لا يتحقق بإحياء الانقسامات، وإنما باستعادة مفهوم المواطنة، وإحياء الذاكرة المشتركة التي صنعتها حضارات وادي الرافدين عبر آلاف السنين.
إن الدكتور رشيد الخيون يمثل نموذجاً للمثقف الذي اختار طريق البحث الشاق، وآمن بأن الحقيقة لا تُكتشف إلا بالحوار مع النصوص، وبالعودة إلى المصادر، وبالتحرر من هيمنة الأيديولوجيا. وبين من يتفق مع أطروحاته ومن يختلف معها، يبقى منجزه الفكري علامة بارزة في الثقافة العربية المعاصرة، لأنه أعاد الاعتبار للعقل النقدي، وفتح أبواباً واسعة لإعادة قراءة التراث بعيداً عن التقديس أو التشويه.
إن الأمم التي تمتلك باحثين من طراز رشيد الخيون، تمتلك القدرة على مراجعة تاريخها بجرأة، وعلى بناء مستقبلها بثقة. فالمعرفة لا تنمو في بيئة الخوف، وإنما في فضاء الحرية، والحضارة لا تتقدم إلا حين يصبح السؤال فضيلة، ويغدو الاختلاف طريقاً لإثراء الحقيقة لا سبباً لإلغائها. ومن هنا، فإن تجربة الدكتور رشيد الخيون ستظل واحدة من أهم التجارب العراقية والعربية في إعادة وصل الماضي بالحاضر، وإقامة حوار دائم بين التراث والعقل، وبين التاريخ والإنسان.

قد يعجبك ايضا