حسين موسى
يمتلك الشباب الكوردي في غرب كوردستان حسًا قوميًّا قويًا وحماسًا كبيرًا تجاه قضيته، إلا أن بعض القيادات الحزبية تستغل هذا الحماس بما يخدم مصالحها وأيديولوجياتها، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إفراغه من مضمونه القومي الحقيقي. وهكذا يجد بعض الشباب أنفسهم في نهاية المطاف خاضعين، فاقدين لاستقلالية القرار، أو يدفعون حياتهم ثمنًا لصراعات تجري بعيدًا عن أولويات القضية الكوردية، انسجامًا مع توجهات أحزابهم.
أما الشباب الذين لا يقبلون هذه السياسات، فيجد كثير منهم أنفسهم أمام خيارات محدودة؛ فإما أن يغادروا الوطن بحثًا عن حياة أخرى، أو يبتعدوا عن العمل القومي ويلازموا بيوتهم، بعد أن فقدوا الأمل في إحداث تغيير حقيقي.
ومن هنا، تبقى القضية الكوردية وكأنها حبيسة إطار محكم، تعيقها المصالح الحزبية الضيقة أكثر مما تخدمها. وهذا ما يُعرف في الفكر السياسي بالعدو الداخلي؛ أي العوامل والممارسات التي تُضعف القضية من داخلها، سواء عبر الانقسامات أو تغليب المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة القومية العامة. وفي المقابل، لا يفوّت العدو الخارجي أي فرصة لاستثمار هذا الضعف الداخلي، أو توظيفه من خلال التفاهمات والصفقات الإقليمية والدولية، بما يخدم مصالحه على حساب القضية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود مناضلين مخلصين قدّموا حياتهم وتضحياتهم بإخلاص في سبيل قضيتهم العادلة، وعملوا على دعم الشباب وتمكينهم. إلا أن هذه النماذج، في تقدير كثيرين، لم تعد تمثل اليوم سوى نسبة محدودة، قد لا تتجاوز 10% من المشهد الحالي.
واليوم، أصبحنا أحوج إلى البحث عن الحلول أكثر من أي وقت مضى. ومن هنا، تقع على عاتق القيادات السياسية مسؤولية مراجعة سياساتها تجاه الشباب، وإنهاء نهج التهميش، ومنحهم مواقع ومسؤوليات داخل الأحزاب وفق الكفاءة والقدرة، لا وفق الولاءات الشخصية أو الحزبية.
وإذا كانت مرحلة العسكرة قد شارفت على نهايتها أو شهدت تراجعًا مقارنة بالمراحل السابقة، فإن المجال السياسي ما زال يمتلك فرصة حقيقية لإعادة تموضعه وبناء رؤية جديدة، يكون فيها الشباب شركاء في صناعة القرار، لا مجرد مؤيدين للقرارات بدافع المصلحة أو الالتزام الحزبي.
إن إشراك الشباب في رسم السياسات وصنع القرار من شأنه أن يساهم في بناء جبهة داخلية متماسكة، يصعب على الخصوم استغلال نقاط ضعفها. أما التحديات الخارجية، وما يرتبط بها من اتفاقيات وسياسات إقليمية ودولية، فهي تبقى عوامل تتجاوز إلى حد كبير قدرة الكورد على التحكم بها بشكل منفرد، الأمر الذي يجعل تعزيز الجبهة الداخلية ووحدتها الخيار الأكثر واقعية وفاعلية في مواجهة تلك التحديات.
إن مستقبل القضية الكوردية لن يُبنى بإقصاء الشباب أو تهميشهم، بل بإشراكهم في صناعة القرار، والاعتماد على كفاءاتهم، وترسيخ مبدأ أن قوة أي قضية تبدأ من قوة جبهتها الداخلية ووحدة صفها.