عطا شميراني
هناك لحظات لا تكشف فيها الأرقام حجم الثروة، بل تكشف حجم المأساة. فالأرقام، مهما بلغت ضخامتها، لا تمتلك قيمة أخلاقية في ذاتها، وإنما تستمد معناها من أثرها في حياة الإنسان. وما كشفه وكيل وزارة المالية العراقية السابق، مسعود حيدر، بشأن دخول مئات المليارات من الدولارات إلى خزينة الدولة خلال السنوات الأخيرة، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تصريحًا ماليًا عابرًا، بل بوصفه سؤالًا وطنيًا كبيرًا يتجاوز الحكومات والأحزاب، ليضع الدولة كلها أمام امتحان الضمير.
العراق ليس بلدًا فقيرًا حتى يبحث عن أسباب تخلفه في قلة الموارد. فمنذ عقود، منحته الطبيعة ثروات هائلة من النفط والغاز، وأراضي زراعية خصبة، وموقعًا جغرافيًا يمثل نقطة التقاء الشرق بالغرب، فضلًا عن طاقات بشرية وعقول كان يمكن أن تصنع نهضة حقيقية. ومع ذلك، ما زال المواطن العراقي يقف في طوابير الكهرباء، ويبحث عن مستشفى يحفظ كرامته، ومدرسة تليق بأطفاله، وفرصة عمل تمنحه حق الحياة بكرامة. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت هذه الثروة قد دخلت خزائن الدولة، فلماذا بقي أثرها غائبًا عن حياة الناس؟
إن المال العام ليس رقمًا في قانون الموازنة، ولا بندًا في تقرير مالي، ولا رصيدًا في حساب حكومي. المال العام هو حياة الناس نفسها. هو الدواء الذي ينتظره المريض، والكتاب الذي يحمله التلميذ، والجسر الذي يعبره العامل، والطريق الذي يسلكه الفلاح، والراتب الذي تعيش به الأسرة، والمصنع الذي يوفر فرصة عمل للشباب. وكل دينار يُهدر، أو يُدار بلا كفاءة، لا يضيع من خزينة الدولة فقط، بل يُقتطع من مستقبل أمة بأكملها.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول لا تسقط عندما تقل مواردها، وإنما عندما تفقد أخلاقها في إدارة تلك الموارد. فالثروة قد تكون نعمة، لكنها تتحول إلى نقمة عندما تغيب عنها الشفافية والمساءلة. ومن هنا فإن القضية ليست في حجم الإيرادات، بل في فلسفة إدارتها. فهناك دول فقيرة بالموارد أصبحت من أغنى دول العالم لأنها احترمت القانون، وأعلت قيمة الإنسان، وجعلت النزاهة أساس الحكم. وفي المقابل، هناك دول غنية بالثروات بقيت حبيسة الأزمات لأنها أخفقت في تحويل المال إلى تنمية، والموارد إلى مستقبل.
إن ما يجعل تصريحات مسعود حيدر ذات أهمية ليس الرقم وحده، بل ما يفرضه من أسئلة. أين صُرفت هذه الأموال؟ وما حجم المشاريع الإستراتيجية التي أُنجزت؟ وهل شهد التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية تحولًا يوازي هذه الإيرادات؟ وهل يشعر المواطن بأن ثروة بلده أصبحت جزءًا من حياته اليومية؟ إن هذه الأسئلة ليست اتهامًا، بل هي جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، لأن الدولة التي لا تفسر لمواطنيها كيفية إدارة المال العام، تترك فراغًا تملؤه الشكوك.
الأخطر من الفساد المالي هو اعتياد الناس عليه. فحين يتحول الحديث عن المليارات إلى خبر يومي لا يثير الدهشة، يصبح الخطر أخلاقيًا قبل أن يكون اقتصاديًا. لأن المجتمع الذي يفقد حساسيته تجاه المال العام، يفقد تدريجيًا ثقته بالدولة، ثم يفقد إيمانه بالعدالة، حتى يصبح القانون مجرد نص، والمواطنة مجرد شعار. وعندها لا تكون الخسارة في الأموال وحدها، بل في انهيار العقد الأخلاقي الذي يربط المواطن بوطنه.
الوطنية ليست أن نغض الطرف عن الأخطاء بحجة حماية الدولة، كما أنها ليست تحويل كل قضية إلى معركة سياسية. الوطنية الحقيقية هي أن ندافع عن الدولة عبر الدفاع عن مؤسساتها، وعن المال العام، وعن حق المواطن في المعرفة والمساءلة. فالسلطة ليست مالكة للثروة، وإنما هي مؤتمنة عليها، والأمانة لا تثبت بالخطب والشعارات، بل بالشفافية والإفصاح والمحاسبة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الحكومات القوية ليست تلك التي لا تُسأل، بل تلك التي تجيب. فالشفافية ليست ضعفًا، وإنما مصدر شرعية. وكل حكومة تثق بإدارتها لا تخشى نشر الأرقام، ولا تخشى الرقابة البرلمانية، ولا تخشى الإعلام الحر، لأن الحقيقة لا تخاف النور. أما حين تغيب المعلومات، فإن الإشاعات تجد طريقها، وتبدأ الثقة بالتآكل، وهي أثمن ما تمتلكه أي دولة.
إن ما كشفه مسعود حيدر، سواء اتفق معه البعض أو اختلف، يجب ألا يبقى مادة للتجاذب السياسي، بل ينبغي أن يتحول إلى فرصة لمراجعة وطنية شاملة. مراجعة تعيد تعريف معنى المال العام، وتعيد الاعتبار لدور المؤسسات الرقابية، وتجعل من الشفافية ثقافة لا استثناء، ومن المساءلة قاعدة لا شعارًا. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الثروة بقدر ما يحتاج إلى إدارة عادلة لتلك الثروة.
وسيأتي يوم ينضب فيه النفط، كما نضبت ثروات كثيرة في دول أخرى، لكن التاريخ لن يسأل العراقيين: كم مليار دولار دخل خزائنكم؟ بل سيسأل: ماذا صنعتم بهذه المليارات؟ هل بنيتم إنسانًا قادرًا على المنافسة؟ هل أنشأتم جامعات ومستشفيات ومصانع ومراكز أبحاث؟ هل أسستم اقتصادًا لا يعتمد على النفط وحده؟ هل تركتم للأجيال القادمة دولة أقوى مما استلمتموها؟
هذه هي الأسئلة التي تمنح الأرقام معناها الحقيقي. فالثروة ليست فيما تملكه الدولة، وإنما فيما تتركه من أثر في حياة الناس.
ويبقى السؤال معلقًا في ضمير كل عراقي، قبل أن يبقى في سجلات الدولة: إذا كانت خزائن العراق قد امتلأت بالمليارات، فلماذا بقيت حياة المواطن مثقلة بالأزمات؟
إن الأمم لا تسقط يوم تفرغ خزائنها، بل يوم تفرغ ضمائر الذين اؤتمنوا على خزائنها، لأن الأمانة هي الثروة الوحيدة التي إذا ضاعت، ضاع معها كل شيء.