المحامي والصحفي عرفان الداوودي
منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، إلا أن تلك المرحلة رافقتها أخطاء بنيوية تركت آثاراً عميقة على بنية الدولة ومؤسساتها. فقد أدى حل الجيش العراقي، وعدم حماية مؤسسات الدولة، وترك الحدود مفتوحة أمام التدخلات الخارجية، واعتماد نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والقومية، إلى إضعاف الدولة وترسيخ الانقسام السياسي والإداري.
ومع مرور أكثر من عقدين، تحولت المحاصصة من وسيلة لتقاسم السلطة إلى أسلوب لإدارة الدولة، انعكس سلباً على مؤسساتها، وأصبح الفساد المالي والإداري أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق، في ظل ضعف منظومة الرقابة والمساءلة، وتعطل الكثير من أدوات الإصلاح.
لقد عالج الدستور العراقي في المادة (122) موضوع المحافظات غير المنتظمة في إقليم، وصدر على أساسها قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008، بعد أن سبقه أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (71) لسنة 2004، والذي وضع اللبنات الأولى لتشكيل مجالس المحافظات ومنحها صلاحيات رقابية وتشريعية واسعة.
وكان الهدف من هذه المجالس تعزيز اللامركزية الإدارية، وتقريب القرار من المواطن، ومراقبة أداء الحكومات المحلية، ورسم الخطط التنموية التي تتناسب مع احتياجات كل محافظة. إلا أن التجربة العملية، في كثير من المحافظات، أظهرت فجوة كبيرة بين النص القانوني والتطبيق الواقعي.
فبعد سنوات طويلة من عمل هذه المجالس، ما زالت محافظات عديدة تعاني من تراجع الخدمات الأساسية، وضعف البنى التحتية، وارتفاع نسب البطالة والفقر، وتدهور قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة والكهرباء والمياه. وفي المقابل، لم تقدم معظم مجالس المحافظات رؤى استراتيجية واضحة أو خططاً تنموية بعيدة المدى تتناسب مع الإمكانات المالية الكبيرة التي أُنفقت خلال السنوات الماضية.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن العراق أنفق مئات المليارات من الدولارات على الموازنات العامة، ومع ذلك لا تزال نسب الفقر مرتفعة في عدد من المحافظات، حيث سجلت محافظات مثل المثنى والديوانية وبابل والبصرة نسباً مرتفعة مقارنة بمحافظات أخرى، في حين حققت محافظات إقليم كوردستان، ولا سيما أربيل، مؤشرات أفضل في بعض المجالات التنموية والخدمية.
إن هذه الأرقام تطرح سؤالاً مشروعاً: أين كان الدور الرقابي لمجالس المحافظات؟ وهل مارست بالفعل صلاحياتها في محاسبة المقصرين، ومتابعة تنفيذ المشاريع، ومنع هدر المال العام؟
لقد تحولت الرقابة، في كثير من الأحيان، إلى خلافات سياسية أو صراعات على المناصب، بينما بقيت المشاريع المتلكئة، والعقود المتعثرة، وملفات الفساد، من دون حسم حقيقي يشعر به المواطن.
كما أن الكلفة المالية لهذه المجالس تثير تساؤلات مشروعة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق. فالمبالغ التي تُنفق على رواتب ومخصصات أعضاء مجالس المحافظات، فضلاً عن مكاتبهم وحماياتهم وامتيازاتهم، تمثل عبئاً إضافياً على الموازنة العامة، في وقت يحتاج فيه المواطن إلى مدارس ومستشفيات وفرص عمل ومشاريع خدمية، أكثر من حاجته إلى مؤسسات لا يلمس أثرها في حياته اليومية.
إن المشكلة ليست في وجود مجالس المحافظات من حيث المبدأ، فالقانون والدستور منحاها دوراً مهماً، وإنما في طريقة إدارتها، وهيمنة المحاصصة الحزبية على قراراتها، وتحول بعض المجالس إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمناصب بدلاً من أن تكون مؤسسات رقابية مستقلة تعمل لخدمة المواطن.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإجراء مراجعة شاملة لتجربة مجالس المحافظات، وتقييم أدائها وفق معايير قانونية ومؤشرات واقعية، بعيداً عن الحسابات الحزبية. كما ينبغي تفعيل الرقابة القضائية والمالية على أعمالها، وإخضاع جميع قراراتها لمبدأ الشفافية، وربط استمرارها بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في التنمية والخدمات.
إن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على الوزارات والهيئات الاتحادية، بل يجب أن تشمل الحكومات المحلية ومجالس المحافظات أيضاً، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إخضاع جميع مؤسسات الدولة، من أعلى الهرم إلى أدناه، لسيادة القانون، والمساءلة، والشفافية.
فالعراق لا يحتاج إلى مؤسسات تستهلك المال العام بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تُنتج التنمية، وتحمي المال العام، وتعيد ثقة المواطن بالدولة. وعندما تصبح أي مؤسسة عاجزة عن تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها، فإن إعادة النظر في أدائها لم تعد خياراً سياسياً، بل أصبحت ضرورة وطنية وقانونية .