د. رائد طارق شاكر
يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة نتيجة التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أدى إلى انتقال هذه التقنيات من المجال التجاري والخدمي إلى المجالات الأمنية والدبلوماسية والإنسانية. وأصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تدخل بصورة مباشرة في إدارة الأزمات الدولية من خلال تحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بمسارات النزاعات، ودعم عمليات اتخاذ القرار، وإدارة الكوارث الطبيعية، ومراقبة وقف إطلاق النار، وتنسيق عمليات الإغاثة الإنسانية. ومع ذلك، فإن هذا التوسع يثير تحديات قانونية وأخلاقية وسيادية غير مسبوقة، خاصة عندما تعتمد الحكومات والمنظمات الدولية على أنظمة ذكية قد تؤثر في قرارات تمس السلم والأمن الدوليين.
إن غياب إطار قانوني دولي موحد ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات يفتح المجال أمام تفاوت المعايير بين الدول، ويزيد احتمالات إساءة استخدام التقنيات الذكية في إنتاج معلومات مضللة، أو التأثير في القرارات السياسية والعسكرية، أو تنفيذ عمليات سيبرانية تؤدي إلى تصعيد الأزمات بدلاً من احتوائها. كما أن الاعتماد المفرط على الخوارزميات قد يضعف الرقابة البشرية، ويؤدي إلى قرارات تفتقر إلى الشفافية أو المساءلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ حسن النية، واحترام السيادة، وحماية حقوق الإنسان.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اتفاقية دولية متخصصة تضع قواعد ملزمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات الدولية، بحيث تحدد المجالات المسموح باستخدامه فيها، وتمنع توظيفه في اتخاذ قرارات مستقلة تتعلق باستخدام القوة أو توسيع النزاعات المسلحة، مع التأكيد على بقاء القرار النهائي بيد الإنسان. كما ينبغي أن تتضمن الاتفاقية مبادئ الشفافية وقابلية تفسير الخوارزميات، وإلزام الدول بالإفصاح عن الأنظمة المستخدمة عند توظيفها في عمليات دولية مشتركة، مع إخضاع تلك الأنظمة للتقييم الفني والقانوني بصورة دورية.
ويفترض أن تتضمن الاتفاقية التزامات واضحة تتعلق بحماية البيانات المتبادلة أثناء الأزمات، ومنع استغلال المعلومات الإنسانية أو الطبية أو الأمنية لأغراض سياسية أو اقتصادية، فضلاً عن وضع قواعد خاصة بالتعاون بين الدول في تبادل نماذج الذكاء الاصطناعي المخصصة للإنذار المبكر والاستجابة للكوارث، بما يعزز الأمن الجماعي ويقلل من فجوة القدرات التقنية بين الدول المتقدمة والنامية.
ومن العناصر الجوهرية المقترحة إنشاء هيئة دولية متخصصة تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، تتولى اعتماد معايير تقنية موحدة، وإجراء عمليات التدقيق على الأنظمة الذكية المستخدمة في إدارة الأزمات، وإعداد تقارير دورية عن مستوى الالتزام، وتسوية المنازعات الناشئة عن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تطوير قواعد المسؤولية الدولية عن الأضرار التي قد تنجم عن قرارات أو توصيات صادرة عن أنظمة ذكية.
كما ينبغي أن تنص الاتفاقية على مسؤولية الدول والشركات المطورة للتقنيات الذكية بصورة مشتركة، بحيث لا يمكن التهرب من المسؤولية بحجة استقلالية الخوارزميات أو التعلم الذاتي للأنظمة، مع اعتماد مبدأ الرقابة البشرية الفعالة باعتباره ضمانة قانونية أساسية. ومن الضروري أيضاً وضع معايير للتدريب وبناء القدرات، وتمكين الدول النامية من الوصول إلى التطبيقات الآمنة للذكاء الاصطناعي بما يحقق العدالة التقنية ويمنع الاحتكار الرقمي.
إن إقرار اتفاقية دولية من هذا النوع لن يكون مجرد استجابة للتطور التكنولوجي، بل يمثل تحولاً في فلسفة القانون الدولي نحو استيعاب الفاعلين الرقميين والتقنيات الذكية ضمن منظومة المسؤولية والحوكمة العالمية. ومن شأن هذه الاتفاقية أن تسهم في بناء الثقة بين الدول، وتعزيز الاستجابة الجماعية للأزمات، وتقليل مخاطر التصعيد غير المقصود، وترسيخ مبدأ أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لخدمة السلم والأمن الدوليين، لا وسيلة لإنتاج أزمات جديدة أو تعقيد الأزمات القائمة. وفي هذا الإطار يصبح تطوير اتفاقية دولية ملزمة خطوة استراتيجية لضمان الاستخدام المسؤول والآمن والعادل للذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات الدولية، وبما يحقق التوازن بين الابتكار التقني ومتطلبات الشرعية الدولية وحماية الإنسان.