د جيا عبد الكريم رشيد
يشهد القانون الإداري في العصر الرقمي تحولاً متسارعاً نتيجة اعتماد الجهات الحكومية على تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم أو إصدار القرارات الإدارية، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية عميقة تتعلق بمشروعية هذه القرارات، ومدى توافقها مع مبادئ الشرعية والمساواة والشفافية وحماية الحقوق والحريات. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح في بعض التطبيقات قادراً على تحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بالنتائج، واقتراح أو اتخاذ قرارات تمس المراكز القانونية للأفراد، وهو ما يفرض إعادة النظر في الأطر القانونية التقليدية التي وضعت أصلاً لتنظيم القرارات الصادرة عن الموظف العام.
يقوم القرار الإداري في المفهوم التقليدي على إرادة سلطة إدارية مختصة تستهدف إحداث أثر قانوني مباشر، أما عند إدخال الذكاء الاصطناعي في عملية صنع القرار فإن الإرادة الإدارية تصبح مرتبطة بخوارزميات وأنظمة تعلم آلي تعتمد على قواعد بيانات ونماذج رياضية معقدة. ورغم أن المسؤولية القانونية تظل من حيث الأصل منسوبة إلى الجهة الإدارية، فإن طبيعة القرار تفرض قواعد تنظيمية جديدة تضمن بقاء الإنسان صاحب السلطة النهائية في المسائل التي تمس الحقوق الأساسية، مع إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الأعمال الروتينية أو القرارات ذات الطابع الفني.
ويقتضي التنظيم القانوني السليم تحديد الأساس التشريعي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، بحيث يكون اللجوء إليه مستنداً إلى نصوص قانونية واضحة تحدد نطاق استخدامه، والجهات المختصة بالإشراف عليه، وآليات الرقابة والمراجعة. كما ينبغي أن تلتزم الأنظمة الذكية بمبدأ المشروعية، فلا يجوز أن تصدر قرارات خارج حدود الاختصاص أو بالمخالفة للقانون بحجة اعتمادها على تقنيات متقدمة.
وتبرز الشفافية باعتبارها أحد أهم الضمانات القانونية، إذ يجب أن يتمكن الأفراد من معرفة الأسس العامة التي استند إليها النظام الذكي في إصدار القرار، دون الإضرار بالأسرار التجارية أو الأمنية. ويستلزم ذلك توفير تفسير معقول للقرار، وبيان البيانات التي اعتمد عليها، وإتاحة الاعتراض أمام جهة بشرية مستقلة تستطيع مراجعة القرار وإلغاؤه أو تعديله عند وجود خطأ أو تمييز أو انحياز.
كما يمثل مبدأ عدم التمييز أحد المرتكزات الأساسية، لأن الخوارزميات قد تعكس انحيازات موجودة في البيانات المستخدمة لتدريبها، مما يؤدي إلى قرارات غير عادلة. ولهذا يجب إخضاع الأنظمة الذكية لاختبارات دورية للتأكد من حيادها، وإجراء عمليات تدقيق قانونية وتقنية مستقلة، مع توثيق مراحل تصميمها وتشغيلها.
ومن الجوانب الجوهرية أيضاً حماية البيانات الشخصية، إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات كبيرة من البيانات. لذلك ينبغي أن يخضع جمع البيانات واستخدامها لمبادئ الضرورة والتناسب وتحديد الغرض، مع توفير ضمانات للأمن السيبراني ومنع الوصول غير المشروع إلى المعلومات.
وتقتضي قواعد التنظيم القانوني كذلك تحديد المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن القرارات الإدارية المؤتمتة. فالمسؤولية قد تقع على الجهة الإدارية إذا أساءت استخدام النظام، أو إذا أهملت الرقابة عليه، أو إذا استخدمت نظاماً غير مطابق للمعايير القانونية، دون أن يمنع ذلك من مساءلة المطور أو المورد وفقاً للقواعد المدنية أو العقدية عند الاقتضاء.
وعلى المستوى المقارن، تتجه العديد من الأنظمة القانونية إلى اعتماد مبادئ الحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي المسؤول، ومن أبرزها الإشراف البشري، والشفافية، وقابلية التفسير، وإدارة المخاطر، والتقييم المستمر للأثر القانوني والأخلاقي، وهي مبادئ يمكن الاستفادة منها في تحديث التشريعات الوطنية.
إن المستقبل يتطلب إصدار تشريعات متخصصة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، وتحدد الضمانات الإجرائية والموضوعية للقرارات الإدارية المؤتمتة، بما يحقق التوازن بين تطوير الأداء الحكومي وحماية حقوق الأفراد. فنجاح الإدارة الرقمية لا يقاس بسرعة إصدار القرار فحسب، وإنما بمدى احترامه لمبادئ دولة القانون وسيادة القانون، وبقدرته على تحقيق العدالة الإدارية والثقة العامة في المرافق الحكومية.