قمة تركيا… بارقة أمل لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية أم جولة جديدة من التعقيد؟

د. أحمد العامري

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والعالم يعيش حالة من القلق الذي لم ينته إذ لم تعد المسألة مقتصرة على دولتين تتصارعان على الأرض بل تحولت إلى أزمة تمتد آثارها إلى كل بيت في هذا العالم. أسعار ترتفع وطاقة تتعثر وشعوب تدفع ثمن قرارات لا يد لها فيها.
وفي خضم هذا المشهد المعقد تعود تركيا لتتصدر المشهد من جديد فهي الدولة التي جمعت بين علاقاتها مع موسكو وكييف وبين موقعها الذي يربط البحر بالعالم وبين رغبتها في أن تكون صوت العقل في زمن الضجيج. كل قمة تُعقد هناك تحمل معها سؤالاً واحداً يتكرر هل نحن أمام خطوة حقيقية نحو السلام أم أمام جولة أخرى من اللقاءات التي لا تغير شيئاً على الأرض؟
استمرار هذه الحرب لا يهدد أوكرانيا وروسيا وحدها بل العالم كله يدفع الثمن فعندما تتعطل صادرات القمح والزيوت من سلة الغذاء العالمية ترتفع الأسعار في أسواق بعيدة وعندما تتحول الطاقة إلى سلاح تدفع المصانع والبيوت ثمن ذلك برداً في الشتاء وتضخماً في المعيشة كما أن طول أمد الصراع يدفع الجميع إلى سباق تسلح جديد ينسي الحكومات أولوياتها الحقيقية من تعليم وصحة وتنمية.
أما منطقتنا فهي الأكثر تأثراً نحن ندفع فاتورة الغذاء والوقود مرتين وندفع فاتورة الانشغال العالمي عن قضايانا مرة ثالثة. فكلما ابتعدت أنظار الكبار عن الشرق الأوسط اتسعت مساحة الفوضى وكلما طال أمد الحرب ترسخ في أذهان البعض أن القوة هي الحل وهذا هو الخطر الأكبر الذي يمكن أن ينتقل إلينا.إن تجربة التاريخ كلها تقول شيئاًواحداً لا انتصار حقي في الحروب الطويلة. الخسارة تعم الجميع والحل الوحيد الذي يبقي الأوطان قائمة هوالعودة إلى لغة الحوار والتفاوض. السلام مكلف نعم ودون أدنى شك لكنه أرخص بكثير من ثمن الرصاصة ومن ثمن طفل يكبر بلا مدرسة ومن ثمن وطن ينهار.ولرب هناك من يسأل لماذا لا يكون لنا كعرب دور فعال في هذا المسعى؟
فالعالم اليوم بحاجة إلى وسطاء جدد وأصوات لا تحمل إرث العداوات وهناك هي دول عربية تمتلك ثقلاً وتأثيراً كبيرين كدولة الإمارات وبقية دول الخليج، التي لعبت أدواراً مهمة في ملفات وساطة سابقة. فلماذا لا تتقدم الصفوف اليوم في محاولة حقن الدماء وإنهاء هذا النزاع؟ فعندما تكون هناك مبادرة عربية جامعة قد تُحسب لنا كأمة وتعيد لنا دورنا في صناعة السلام لا في تلقي نتائج الحروب. فاستمرار هذا الصراع إن طال لربما يحرق الأخضر واليابس ويجعل الجميع من الخاسرين لا سمح الله.
قمة تركيا اليوم قد لا تضع نهاية للحرب غداً ولكنها تبقي الباب مفتوحاً وتبقي الأمل بأن العقلاء ما زالوا موجودين وبأن هناك من يؤمن أن الحوار وإن طال هو الطريق الوحيد. فالسؤال هنا ليس عن نجاح قمة أو فشلها. السؤال هو هل نحن مستعدون كعالم أن ندفع ثمن السلام أم سنستمر في دفع ثمن الحرب حتى تحرق الجميع؟

قد يعجبك ايضا