نبيل عبد الأمير الربيعي
تعد القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيدا في منطقة الشرق الأوسط، لما تنطوي عليه من أبعاد تاريخية وسياسية وقانونية وجيوسياسية متداخلة. فمنذ إعادة رسم خرائط المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى، وجد الشعب الكوردي نفسه موزعا بين أربع دول رئيسة هي: العراق وتركيا وإيران وسوريا، الأمر الذي جعل تطلعاته القومية تتقاطع باستمرار مع اعتبارات السيادة الوطنية لهذه الدول، ومع شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، هناك أهمية خاصة، كحقيقة تكاد تحظى بإجماع داخل المجتمع الكوردي، مفادها أن حلم إقامة دولة كوردية مستقلة ما يزال حاضرا في الوعي الجمعي للكورد، سواء في أجزاء كوردستان الأربعة أو في مجتمعات المهجر. وهذا الحلم لا يمكن اختزاله في كونه مشروعا سياسيا آنيا، بل يمثل امتدادا لمسار تاريخي طويل ارتبط بالسعي إلى تثبيت الهوية القومية وممارسة حق تقرير المصير، وهو حق أقرته المواثيق الدولية بوصفه أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي المعاصر.
إلا أن الاعتراف بمشروعية التطلعات القومية لا يعني بالضرورة توافر الشروط الموضوعية لتحقيقها. فالقضية الكوردية ظلت، منذ نشأتها الحديثة، رهينة لمعادلات الجغرافيا السياسية أكثر من ارتباطها بالإرادة الذاتية للشعب الكوردي. فقد أسهم الموقع الجغرافي لكوردستان، وما يمتلكه من أهمية استراتيجية وثروات طبيعية، في جعلها ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، الأمر الذي حال دون نشوء توافق دولي يسمح بقيام دولة كوردية مستقلة.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن النظام الدولي يتعامل مع قضايا تقرير المصير بمنطق سياسي أكثر منه قانوني. فالدعم الدولي لأي مشروع استقلال لا يستند غالبا إلى الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية وحدها، وإنما يخضع لحسابات التوازنات الإقليمية، ومصالح القوى الكبرى، ومتطلبات الأمن والاستقرار. ومن ثم، بقي المشروع القومي الكوردي يصطدم برفض الدول التي تتقاسم الجغرافيا الكوردية، فضلاً عن غياب الإرادة الدولية القادرة على إعادة رسم الحدود السياسية في المنطقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، اتجهت الحركة السياسية الكوردية، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، إلى تبني مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية. فلم يعد مطلب الاستقلال يمثل الهدف السياسي المباشر، بل جرى التركيز على صيغ دستورية وسياسية تضمن الحقوق القومية ضمن إطار الدولة القائمة، مثل الحكم الذاتي، والإدارة الذاتية، والفيدرالية. ويعكس هذا التحول إدراكا لطبيعة البيئة الإقليمية والدولية، وسعيا إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الحقوق ضمن الحدود التي تسمح بها موازين القوى.
وتبرز تجربة إقليم كوردستان العراق بوصفها النموذج الأكثر تقدما في هذا الإطار. فمنذ إقرار النظام الفيدرالي في دستور جمهورية العراق لعام 2005، تمكن الإقليم من بناء مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، وتطوير تجربة إدارية واقتصادية وأمنية أسهمت في تحقيق قدر ملموس من الاستقرار مقارنة بمحيطه الإقليمي. ورغم ما تواجهه التجربة من تحديات داخلية تتعلق بالحكم الرشيد، والشفافية، والعلاقة مع الحكومة الاتحادية، فإنها تظل المثال الأكثر اكتمالاً لتجسيد الحقوق القومية للكورد ضمن إطار دستوري معترف به.
وفي المقابل، لا يمكن تعميم هذه التجربة على بقية أجزاء كوردستان، لأن لكل منها خصوصياته السياسية والدستورية والاجتماعية. فالسياقات المختلفة في تركيا وإيران وسوريا تفرض أشكالاً متباينة من المطالب والحلول، الأمر الذي يجعل من حق المجتمعات الكوردية في كل جزء اختيار الصيغة السياسية التي تتناسب مع ظروفها وتوازناتها الداخلية، بعيدا عن أي تصور نمطي أو موحد.
ومن منظور أكاديمي، فإن معالجة القضية الكوردية تستلزم تجاوز الخطابات القائمة على التخوين أو التخويف، والانتقال إلى مقاربة تستند إلى مبادئ المواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي. فالتجارب المقارنة في العديد من الدول متعددة القوميات تشير إلى أن النظم الديمقراطية اللامركزية قادرة، في كثير من الحالات، على استيعاب التنوع وتحويله إلى عنصر قوة، بدلاً من اعتباره مصدراً للصراع.
إن الحلم الكوردي بالاستقلال سيظل حاضراً في الذاكرة السياسية والوجدان القومي للكورد، لكنه سيبقى مرتبطاً، في الوقت نفسه، بالتحولات التي يشهدها النظام الإقليمي والدولي. وبين الاعتبارات القانونية المتعلقة بحق تقرير المصير، والإكراهات التي تفرضها الجغرافيا السياسية، تظل الخيارات الواقعية القائمة على الحوار، والدساتير الديمقراطية، والاعتراف المتبادل بالحقوق، هي المسار الأكثر قدرة على تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة لجميع شعوب المنطقة.
ومن هنا، فإن مستقبل القضية الكوردية لا ينبغي أن يقرأ من زاوية الصراع الصفري بين الدولة والهوية القومية، بل من خلال البحث عن صيغ دستورية وسياسية توازن بين وحدة الدول وحقوق مكوناتها القومية، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي، ويؤسس لشراكة وطنية قائمة على العدالة والاحترام المتبادل، بعيداً عن سياسات الإقصاء والإنكار التي أثبت التاريخ أنها لا تنتج إلا المزيد من الأزمات.