احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

 

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 الجزء الثالث والأربعون    

المؤتمر السابع  للحزب

مر على عقد المؤتمرالسادس زهاء السنتين والنصف وكان المؤتمر قد عقد في ظروف خاصة ومعقدة انشق فيها جميع اعضاء اللجنة المركزية تقريبأ عن الحزب، ومعهم عدد كبير من الكوادر والاعضاء ولاشك بأن ذلك الانشقاق قد أثر سلباً على الحزب وعلى الثورة. وقد استغرق رص الصفوف واعادة بناء الحزب وتنظيماته وقتاً وجهود كبيرتين.

كان البارزاني من أكثر الناس حرصاً على رص الصفوف وتوحيد الشعب الكوردي، وتسخير كل الجهود لخدمة الثورة لذلك فقد أعلن العفو عن المنشقين سنة 1965 ودعاهم للعودة وخدمة الثورة واوكل اليهم مهمات عديدة دون أي تفريق وقد عاد الجميع وخدموا في صفوف الثورة، الا ان قيادتهم سرعان ما اجرت الاتصالات السرية مع السلطة المركزية وفي كانون الثاني من سنة 1966انتهى بها المقام في كنف السلطة، وقد تخلف عن ذلك بعض القياديين ولم يوافقوا على تلك الخطوة أمثال نوري صديق شاوه يس وعلي عبـدالله عضوي المكتب السياسي للمنشقين ونوري أحمد طه عضو اللجنة المركزية وغيرهم. وكان صالح اليوسفي يعمل في مؤسسات الثورة الا انه كان قد جمد نشاطه الحزبي آنذاك عند حدوث الانشقاق.

 

“كان الأمام السيد محسن الحكيم تربطه عـلاقات طيبة مع البارزاني بالرغم من عدم اجراء أي لقاء بينهما، وكانا يتراسلان في بعض الاحيان، وسبق أن أصدر فتوى شرعية في عهد حكم عبدالسلام عارف حرم فيها محاربة الكورد، وكانت له مواقف مشرفة ومؤيدة للثورة الكوردية وللبارزاني.”

 

كان من الضروري عقد مؤتمر جديد للحزب للنظر في وضع اولئك الذين فضلوا البقاء في صفوف الثورة والحزب، وكذلك عدد كبير من الاعضاء الكوادر التي كانت تؤيد المنشقين وأخذوا يعيدون النظر في مواقـفهم بعد هذه الخطوة، ولما كان الوضع دقيقاً والقتال مستمراً فلم يكن بالأمكان عقد هذا المؤتمر، الا انه بعد اتفاق التاسع والعشرين من حزيران سنة1966 وتجدد هذه الاوضاع تقرر عقد المؤتمر السابع في 15/11/1966.

عقد المؤتمر في كلاله في تلك الظروف حيث صادق على بيان البزاز وتقرر اعادة عدد كبير من الاعضاء والكوادر والقياديين الى صفوف الحزب فأعيـد كل من نوري شاوه يس وعلي عبدالله وصالح اليوسفي الى صفوفه وانتخبوا أعضاء في اللجنة المركزية فالمكتب السياسي وكذلك الآخرون، وأخذ الحزب طابعاً وزخماً جديدين ورص صفوفه وأصبح أكثر قوة وتنظيماً من السابق.

زيارة ادريس البارزاني لبغداد

بمناسبة حلول عـيد الفطر في شهر كانون الثاني سنة 1967 على ما أعتقد تقرر قـيـام ادريس البارزاني بزيارة بغداد لتـقـديم التـهـاني لرئيس الجمهـورية بمناسبة العيد نيابة عن والده، ورافقناه نحن نافذ جلال وأنا كأعضاء في لجنة السلام وكان السيد حبيب محمد كريم سكرتير الحزب آنذاك متواجداً في بغداد وكذلك صالح اليوسفي عضو المكتب السياسي للحزب ومسؤول الفرع الخامس (فرع بغداد)، وصلنا بغداد وحللنا ضيوفاً على الحكومة في أحـدى دور الضيافة في السعدون وكانت تدعى ب(القصر الاخضر) وعبـارة عن دار اعتيادية تحتوي على اربعة أو خمسة غرف نوم وصالتين اعـتـياديتين. قمنا بزيارة رئيس الجمهورية وكذلك رئيس الوزراء وبعض الوزراء، وقد قوبلت تلك الزيارة والتي بعدها في عيد الاضحى التى قام بها مسعود البارزاني بكل حفاوة وترحاب، وأقيمت الولائم والدعـوات من قـبل الشــخـصـيات العراقية العربية والكوردية في بغداد وخارجها غير الدعوات الرسمية، وقد أصبحت تلك الولائم شبه تظاهرة وأحدثت ضجة كبيرة في جميع الأوساط واثبـتت تلك الاجتماعات مقدار التأييد والتعاون من الشعب العراقي للثـورة الكوردية ولشـخص البـارزاني بالذات، وقد أثارت تلك الولائم غــيـرة بعض الاوساط وخاصة العسكرية.

أجرينا في تلك الزيارات عدة لقا ءات مع رئيس الجمهورية وفي احداها طلب منه الأخ ادريس السماح له بالسفر الى كربلاء والنجف الاشرف لزيارة العتبات المقدسة وزيارة المرجع الديني الامام السيد محسن الحكيم، فتجهم وجه عارف وقال بأن تلك الزيارة سوف تستغل من قبل الطائفيين، وبعد اصرارنا ابدى الرئيس عارف رضاه وأمر بأتخاذ الاجراءات اللازمة للحراسة والنقل والضيافة، كان الرجل يرغب في حل جميع الامور بسلام وهدوء.

كان الأمام السيد محسن الحكيم تربطه عـلاقات طيبة مع البارزاني بالرغم من عدم اجراء أي لقاء بينهما، وكانا يتراسلان في بعض الاحيان، وسبق أن أصدر فتوى شرعية في عهد حكم عبدالسلام عارف حرم فيها محاربة الكورد، وكانت له مواقف مشرفة ومؤيدة للثورة الكوردية وللبارزاني.

ذهبنا لأداء الزيارة وكذلك الإمام الحكيم وكانت له صدى ووقعاً كبيرين في نفوس اخوتنا الشيعة والعراقيين بصورة عامة، وكنت قد طلبت من الأخ ادريس ان يرتدي الزي الشعبي الكوردي لكي يكون أكثر ظهـوراً وبروزاً بين الحاضرين وأكثر جلباً للأنظار. وكان ذلك مصدر رضا وأستحسان البارزاني لدى عودتنا.

وبعد أكثر من أسبوع قضيناه بهذه اللقاءات المفيدة قفلنا راجعين الى منطقتنا وكانت الزيارة ناجحة وموفقة جداً رافقتها تغطية اعلامية كبيرة.

زيارة مسعود البارزاني لبغداد

مضت الايام بصورة اعتيادية بعد عودتنا وحل عيد الأضحى المبارك وكان ذلك في آذار سنة 1967 على ما أعتقد، فقـرر البارزاني ايفاد نجله مسعود الى بغداد لتقديم التهاني لرئيس الجمهورية عبدالرحمن عارف، وقد وصل الأخ مسعود اربيل يرافقه صالح اليوسفي والتحقت بهم هناك، اما نافذ جلال فلم يتمكن من مرافقتنا لأنشغاله ببعض الأمور العائلية الخاصة والتحق بنا بعد يومين أو ثلاثة، وقد وصلنا بغداد مساء اليوم نفسه وحللنا في القصر الاخضر أيضاً.

وبعـد زيارة رئيس الجـمـهورية ورئيس الوزراء في اليوم التالي اجـرينا اللقاءات مع بعض المسؤولين الآخرين وأقيمت الولائم ايضـأ من قبل الشخصيات والاصدقاء. ثم ذهبنا لزيارة العتبات المقدسة وشخص الامام الحكيم وقد قدم له مسعود رسالة من البارزاني ونسخة من المصحف الشريف مهداة من قبله، وكان يرافقنا شقيق مسعود والذي اسمه نهاد وكان آنذاك طفلاً في السابعة من عمره، وبعد أن تعرف عليه الأمام الحكيم قبله وقدم له قطعة ذهبية عبارة عن ليرة عثمانية.

بعد عودتنا ذهبنا لزيارة المرحوم كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي والشخصية الوطنية العراقية الشهيرة، وكنا مسعود وصالح اليوسفي وأنا خلال تلك الزيارة، فرحب بنا كثيراً وجرى الحديث عن الوضع في العراق وغـيـاب الديمقراطية وابدى سروره لرفع الثورة شعار الديقـراطيـة للعراق، وبينما كنا جالسين في غرفة الاستقبال ونواصل الحديث نهض الجادرجي فجأة وترك الغرفة، وذهب الى الغرفة المجاورة التي كانت عبارة عن مكتبة، وبعد دقيقتين أو ثلاثة عاد الى الغرفة ثانية مستأنفاً الحديث، ويظهر أنه شعر ببعض الآلام في ذلك الوقت وزرق نفسه بالدواء المخصوص كعادته حيث أنه كان مصاباً بمرض قلبي الذي أودى بحياته بعد سنتين أو ثلاث من تلك الزيارة، ودعنا السيد الجادرجي ورجعنا الى محل اقامتنا، وذهبنا مساءً الى دار الطبيب الدكتـور كاظم شبر حيث تناولنا طعام العشاء، وفي طريق عودتنا اوقف السيد صالح اليوسفي سيارته امام باب أحدى العمارات في شارع السعدون، فترجلنا ودخلنا إحدى الشقق وكان فيها المرحوم المهندس شوكت عقراوي والذي كان راقداً في فراشه بعد أن كانت قد أجريت له عملية جراحية، وبعد معاودته والمكوث بضع دقائق غادرنا الشقة للعودة الى مقر اقامتنا في القصر الأخضر (في السعدون أو العلوية).

 

“كان الشيخ ناظم رجلاً متديناً وشخصاً طيباً يحب الخير والسلام وكان صديقاً شخصياً للزعيـم الراحل مصطفى البارزاني ، وكان صريحاً وجريئاً يقول ما يؤمن به ويعتقد فيه، له قول مأثور في البارزاني الراحل فيقول: ((بأن ملا مصطفى هو قطعة شرف من قمة رأسه الى أخمص قدميه))، وكان دائماً محل تقدير وأحتـرام عند البارزاني لصدقه وصراحته -رحمه الله-.”

 

وفي مساء اليوم التالي، اقام السيد مسعود البارزاني حفلة استقبال وعشاء كبرى في فندق بغداد، حضرها عدد كبير من الوزراء والعسكريين والشخصيات العربية والكوردية وكذلك ممثلو التيارات السياسية المختلفة ،وكان رئيس الوزراء ناجي طالب مدعواً ايضاً الى تلك الحفلة لكنه لم يحضر شخصياً وأرسل مدير مكتبه للأعتذار والحضور نيابة عنه، وفي نهاية الحفل عندما اردنا تسديد قائمة الحساب اذا بمدير مكتب رئيـس الوزراء يقول بأن السيد رئيس الوزراء يرجو أن تكون الحفلة على نفقته (نفقة الوزارة) وبعد أخذ ورد أصر الموما اليه قال بأنه ليس بأمكانه مخالفة أوامر رئيس الوزراء ونتيجة ذلك الاصرار وافقنا على ذلك.

وكانت لتلك الحفلة صدىً كبيراً في اوساط بغداد لأنها ضمت جميع التيارات والشخصيات الموالية أو المعارضة على السواء حيث لم يجر مثل ذلك الاجتماع منذ سنوات.

 

 

بدأنا نتهيأ للسفر والعودة الى كوردستان، وكان الشيخ ناظم العاصي من رؤساء عشيرة العبيد قد اتفق معنا ووعدناه بزيارة قريته في حويجة قرب كركوك في طريق عودتنا. كان الشيخ ناظم رجلاً متديناً وشخصاً طيباً يحب الخير والسلام وكان صديقاً شخصياً للزعيـم الراحل مصطفى البارزاني، وكذلك لرئيس الجمهورية، وكان صريحاً وجريئاً يقول ما يؤمن به ويعتقد فيه، له قول مأثور في البارزاني الراحل فيقول: ((بأن ملا مصطفى هو قطعة شرف من قمة رأسه الى أخمص قدميه))، وكان دائماً محل تقدير وأحتـرام عند البارزاني لصدقه وصراحته -رحمه الله-.

غادرنا بغداد فى الصباح الباكر سالكين طريق سامراء وتكريت لنعبر دجلة ونصل الحويجة حوالي الظهر، وكان معنا الشاعر الكبير اﻟرحوم (هه زار) وكذلك أحد الاطباء الكورد الايرانيين الدكتور حسن حسامي الذي كان يقيم في المانيا الديمقراطية وجاء عن طريق بغداد لزيارة البارزاني.

كان الشيخ ناظم رجلاً كريماً فأقام مأدبة غداء كبرى حضرها جمع غفير من الأئمة الكورد ورجال الدين من كركوك وبعض الشخصيات، وقد سر المرحوم الشيخ ناظم بتلك الزيارة كثيراً وكان واقفاً بين ايدينا يخدم الضيوف.

وبعد ذلك غادرنا مضيف الشيخ ناظم شاكرين ووصلنا اربيل مساءً، وقد حللنا في دارنا التي كانت تقع في محلة العـرب (استولت مـديرية الاستخبارات على تلك الدار واستعملتها كمقر لها لحين انتـفاضة آذار 1991)، ثم جاء السيد عبدالمنعم المصرف متصرف (محافظ) أربيل لزيارة مسعود، وأصر على الانتقال لداره وتناول العشاء هناك، وفي الصباح التالي وبعد أن قمنا بزيارة المتصرف في ديوان المتصرفية رجعنا عائدين الى منطقتنا.

نكسة حزيران 1967

مرت الايام وكانت العلاقات بين قيادة الثورة والسلطة المركزية في مد وجزر ولكنها اتسمت بصورة عامة بالهدوء النسبي، عدا وقوع حوادث فردية هنا وهناك كان بالأمكان معالجتها وكذلك بعض المناوشات احيانأ مع المنشقين. كانت سيـاسة الوزارة التي كان يرأسها السيد ناجي طالب بعيـدة عن العنف رغم انها لم تتمكن من حل المسائل الرئيسية.

 

 

وبعد مرور أقل من سنة على تشكيل تلك الوزارة اراد بعض العـسكريين وخاصة الضباط المسيطرون على القصر الجمهوري استبدالها بأخرى أكثر انقياداً لها، وان هؤلاء الضباط المتنفذين كانوا من أمثال العقيد الركن ابراهيم عبدالرحمن الداود آمر لواء الحرس الجمهوري، والمقدم الركن عبدالرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية والمقدم سعدون غيدان آمر كتـيبة دبابات الحرس الجمهوري، والعميد سعيد صليبي آمر موقع بغداد والعميـد صعب الحردان آمر الانضباط العسكري والآخرين من ذوي النفوذ، واستعملوا نفوذهم على الرئيس عبدالرحمن عارف الذي أقتنع برأيهم أو بالأحرى قد أذعن لهم، فطلب من رئيس الوزراء ناجي طالب تقديم اســقالته، وصادف أن كنا أنا والمرحوم نافذ جلال في بغداد لقضاء بعض المسائل والأمور المتعلقة بشؤون الثورة الكوردية بصفتنا أعضاء في اللجنة العليا للسلام، وفي أحدى زياراتنا للسيد رجب عبدالمجيد نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في تلك الاثناء، ابدى امتعاضه من تدخل الضباط في أمور الحكومة وطلب تغيير الوزارة، وقال بالحرف الواحد((يا أخوان هذا حكم عصابات وليس حكم دولة ،؛.!

وكان رجب عبدالمجيد -كما أشرت سابقاً- من أوائل الضباط الاحرار وكان انساناً نزيهاً وجدياً بالرغم من أسلوبه في التعامل، وقد علمت أنه قد انتقل الى جوار ربه مؤخراً -رحمه الله-.

قد يعجبك ايضا