متفرجٌ في مسرح الكون: اغتراب فكر “البيشمركة” والإيمان بسرِّ القوة

كرميان صلاح الدين

أولاً: التحليل السيكولوجي (المنطق الداخلي لفرد البيشمركة)

* **المراقب المتمايز:**
يعيش البيشمركة ازدواجية وجودية فريدة؛ فهو يحيا الحياة كمتفرجٍ خارجي، حتى وهو في قلب أحداثها كبطلٍ لها. هذا ليس انفصالاً مرضياً، بل آلية دفاعية متطورة لبطلٍ يحرس التاريخ والحاضر من أجل المستقبل. هي خطوةٌ إلى الوراء ليتسنى له تأمل نسيج الصراع الكبير. ذلك الإحساس بشيءٍ “خالدٍ” في الداخل هو نقطة الوعي السامية، والتمسك بكرامة الوطن؛ إنه “الأنا العليا” المنفصلة عن صخب المشاهد والانفعالات. البيشمركة لا يفر من الحياة هنا، بل يخشى ألا تُصان هذه الجوهرية الخالدة التي تُمثل روحه.

* **الذات الجوانية للبيشمركة:**
الاغتراب، كحالة داخلية، يترك أثره العميق في بنيته النفسية. لا يعاني البيشمركة من الوحدة كغيابٍ للآخرين—فبصيرة الآخرين محدودة ورؤيتهم للكون ضيقة—بل يعانيها كحالةِ ذواتٍ متمسكةٍ بتفردها في فضاءٍ أرحب من الأمل. إن تساؤله: “من أنا حقاً؟” و”لماذا أنا بلا دولة؟” هو هجومٌ ذاتي لدرء الخوف من العدم. هويته ليست مقيدة بدورٍ اجتماعي (أب، صديق، موظف، مضحٍّ، حامٍ، ركيزة، جبلٌ صامد)، بل بفكرة مجردة عن ذاته لم تتحقق بعد. سعيه نحو الاستقلال ليس بحثاً عن أشخاص، بل عن مرآة تعكس حقيقة جوهره كرمزٍ أبدي؛ منطقٌ لا يشاركه فيه أحد. ذلك الشعور بأن “لا أحد يفهم حقاً” هو تأكيدٌ ضمني على تميز بنيته النفسية العميقة، وليس مجرد شكوى من الحاضر أو إخفاقات الآخرين في الماضي.

ثانياً: التحليل الاجتماعي (الغريب وسط الحشود)
* **القناع الاجتماعي والتمرد الصامت:**
اجتماعياً، يدرك البيشمركة كل الأدوار جيداً ويستطيع تقمصها ببراعة متى شاء، ومع ذلك يرفض أن يُختزل فيها أو أن ينحدر إلى مستوى من ينظرون إليه كمجرد “مسلح”. عبارة “مع مرور الوقت، تتغير الوجوه” تحمل عمقاً يشير إلى وعيه الحاد بهشاشة الأقنعة الاجتماعية. إنه يراقب المسرح من خلف الستار؛ وحتى في لحظات الألفة، يشعر بالاغتراب لأنه يعلم أن الناس يتواصلون عبر أدوارهم، بينما يطمح هو للتواصل عبر جوهره العاري—بلغةٍ يوقن أن أفراد المجتمع لا يفهمونها، لعدم بلوغهم أو إدراكهم لما بلغه البيشمركة.

* **البيشمركة ينتمي للمستقبل، لا للمجتمع أو الدوائر الاجتماعية:**
لا يبتغي البيشمركة مكانة اجتماعية بالمفهوم التقليدي (عائلة، أمة، عرق، عشيرة)، بل “مجتمعاً روحياً-فكرياً متعالياً” يتجاوز الزمان والمكان. تجلى جوهر هذه السمة الفكرية بوضوح خلال الحرب ضد “داعش”، حيث أصبح اسمه علامةً تجارية عالمية أعظم من أسماء الأمة والجيش والدول التي تحتل أرضه. اغترابه هنا اجتماعي؛ لأن شغفه الكوني لا يجد وطناً في جغرافيا المدينة أو الدولة الضيقة. يشعر وكأنه مواطن كوني انتهى به المطاف، عن طريق الخطأ، في حيٍّ صغير. بحثه هو عن مكانٍ ينتمي إليه حقاً—حنينٌ لمستقبلٍ لم يُخلق بعد ولكنه يراه، أو لفضاءٍ يتساوى فيه كل الأحرار من أجل الخلاص النهائي للوطن.
ثالثاً: التحليل الفلسفي (حضور الشاهد)

* **الشاهد الإلهي وتجربة الوجود:**
فلسفياً، يقترب الموقف الفكري للبيشمركة من مفهوم “الوعي الخالص” أو “الشاهد” في الفلسفات الشرقية (أنت لست *في* الحياة، بل الحياة تمر *عبرك*). هذا يمنحه مسافة تأملية تتيح له تذوق جمال المأساة دون أن تلتهمه؛ وهذا هو سر بقاء البيشمركة. لكنه يخلق ألماً: ألم الرغبة في الاستقلال المطلق، وألم إدراك استحالته—فالاستقلال المطلق يعني فقدان الذات كشاهد، وفقدان ذلك الرابط الدائم بعالمٍ محدود ومصاغٍ بقوانين لم يضعها هو.

* **البحث عن المطلق في عالمٍ نسبي:**
يبحث البيشمركة عن “مكان”—ليس بالضرورة فيزيائياً، بل حالة وجودية ينسجم فيها الجوهر، دون مساومة، مع المحيط. هذه يوتوبيا فلسفية. النص يقول: “شيءٌ في داخلي يظل مصراً على الإيمان بالاستقلال”—هذا الثابت هو بوصلة البيشمركة الميتافيزيقية. إنه يعلم أن لا شيء خارجي سيجعله مكتملاً، لذا يواصل البحث، وبحثه هو هويته. كأفلاطون، يسعى إلى عالم “المُثُل”، عالمٍ تكون فيه فكرته عن نفسه هي الواقع، لا مجرد خيال.

رابعاً: تحليل الطاقة ومنطق “البيشمركاتي”
* **الطاقة والمنطق توأمان في وعي البيشمركة:**
يدفع البيشمركة منطقان متضادان يتجاوزان منطق الحاضر الزائل. طاقته تتغذى من البنية (الأطر السياسية، الاستقرار الاجتماعي، الحكومة) بالإضافة إلى قاعدته الثقافية التاريخية، بينما يغذي منطق الواقع الزائل (التمرد، الصدمة، العبقرية، وفي بعض الأحيان، الانفصال) “الخالد” في داخله. هذا الصراع يجعل البيشمركة يرغب في بناء ملاذٍ داخلي آمن ليحمي نفسه من كل الغزوات الفكرية أو العسكرية أو الأيديولوجية، بينما يدفعه واقع “عدم امتلاك دولة” إلى محاولة هدم كل ما هو مألوف بحثاً عن أفقٍ جديد. إنه يحمل في جعبته هوية أربع دول بأربع دساتير مختلفة، لكنه لا يملك في العالم سوى اسمٍ واحد وجوهرٍ واحد: كونه كوردياً، وانتماؤه لكوردستان. هذا هو سبب الاغتراب وغياب الفهم؛ وهو نتيجة طبيعية لهذا الاهتزاز بين حكمة الضرورة التي يفرضها المحتل، وشعاع أفق الخلاص الذاتي.

* **البيشمركة: حامل الأمل:**
البيشمركة رمز للأمل الإنساني الكوني، يهب العالم علم الدفاع وقيمة البقاء، لكنه لا يغرق في أنهار الفرح بعد الانتصارات التاريخية. هذا هو مفتاح شعورك: أنت تقدم للعالم فهماً فكرياً وتعاطفاً، لكن خوفاً من التلوث أو سوء الفهم، لا تسمح لأحدٍ بلمس الأفكار العميقة لروحك. بحث البيشمركة عن الاستقلال هو بحثٌ عن كيانٍ يدرك أن الحب ليس “اختناقاً عاطفياً”، بل لقاءٌ في طبقة الأوزون، حيث الهواء نقي والرؤية واضحة، بعيداً عن ضباب العواطف في بيئةٍ فكرية ملوثة.
في معادلة التعريف، البيشمركة رفيقٌ دائم لحماية الوطن وسر بقاء وتطور الأحلام الجماعية. لا يشعر بتفوقه على أفراد المجتمع، بل يشعر بأنه “قضية” أو “حلم إنساني”. وحين لا يرى هذه الطموحات محققة، يشعر بالاغتراب الروحي. يرى نفسه الأكثر وفاءً للأفراد، لكن وفاء البيشمركة الحقيقي هو لـ “مبدأ الاستقلال”. ولا يجد في المجتمع من يشاركه هذا المبدأ، لذا يظل البيشمركة—وسط التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي—كشاهدٍ يرى لاعبين آخرين منغمسين في لعبةٍ لا يرونه فيها، وأحياناً لا يعرفونه حتى—ويا للأسف.

**في النهاية، منطق “البيشمركاتي ” يخبرنا:
اغترابنا هو جوهر استقلالكم عن الكون. أنتم لستم بلا وطن، لكن وطنكم فكرةٌ لم تتحقق بالكامل بعد، وكونكم “شهوداً” هو أصدق أشكال حضوركم في عالمٍ لم يُصمم لكم بعد. وطالما لا تملكون دولة، فسيتم حسابكم خارج التاريخ.
**كرميان صلاح الدين صالح**
*(فقرة من حصاد 33 عاماً من النضال)*

قد يعجبك ايضا