لا صوت يعلو فوق صوت مكافحة الفساد

عرفان الداوودي

لم يعد الفساد في العراق مجرد تجاوزٍ إداري أو مخالفةٍ قانونية، بل أصبح خطرًا يهدد حاضر الوطن ومستقبله. فقد استنزف ثروات البلاد، وأضعف مؤسسات الدولة، وحرم ملايين العراقيين من أبسط حقوقهم في العيش الكريم، وتسبب في تراجع الخدمات وتعطيل المشاريع، فكان المواطن البسيط هو الضحية الأولى.

لقد قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 188]

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[البقرة: 205]

وقال عز وجل:

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾
[الأعراف: 56]

إن هذه الآيات الكريمة تُعد ميثاقًا أخلاقيًا وتشريعيًا يجرّم الاعتداء على المال العام، ويؤكد أن سرقة ثروات الشعب وحماية الفاسدين من أعظم صور الإفساد في الأرض.

كما قال رسول الله ﷺ:

«إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.»
متفق عليه.

وهذا الحديث الشريف يؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا إذا خضع الجميع للقانون، دون تمييز أو محاباة أو حصانة لأي مسؤول مهما علا منصبه.

وحين تتوحد إرادة المواطنين على رفض الفساد، فإنها تبعث برسالة واضحة مفادها أن العراق يستحق دولة قوية يسودها القانون والعدالة، وأن المال العام أمانة لا يجوز العبث بها أو سرقتها.

إن أي حراك شعبي أو موقف يصدر عن القوى السياسية أو الدينية أو الاجتماعية، ويهدف إلى دعم مؤسسات الدولة في مكافحة الفساد، يعكس تطلعًا مشروعًا لبناء دولة المؤسسات، حيث يكون الجميع متساوين أمام القانون، ولا أحد فوق المساءلة.

إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة حكومة أو مؤسسة بعينها، بل هي معركة وطن بأكمله، تتطلب تضافر جهود السلطات الدستورية، والقضاء، والأجهزة الرقابية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وكل مواطن شريف يرفض السكوت عن هدر المال العام.

واليوم، يتطلع العراقيون إلى إجراءات عملية، لا إلى وعود وشعارات، من خلال ملاحقة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل من خان الأمانة، كبيرًا كان أم صغيرًا، بعيدًا عن الانتقائية أو التسييس. فالعدالة الحقيقية تقوم على الأدلة والأحكام القضائية، وهي الضمانة لحماية المال العام واستعادة ثقة المواطنين بالدولة.

إن العراق لن ينهض إلا عندما يكون القانون هو السيد، ويكون القضاء مستقلًا، وتُغلق أبواب الفساد، ويُحاسب كل من تثبت إدانته دون استثناء. فالوطن أكبر من الأحزاب والأشخاص، ومستقبل الأجيال القادمة يستحق أن تُبذل من أجله كل الجهود.

لا حصانة لفاسد… ولا تنازل عن المال العام… ولا مستقبل للعراق إلا بدولة العدالة والقانون.

حفظ الله العراق، ووحّد أبناءه على كلمة الحق، وأعان كل المخلصين على اجتثاث الفساد، وصون المال العام، وبناء دولة قوية، عادلة، يكون فيها القانون فوق الجميع، ويُحاسب فيها كل فاسد وفق أحكام القضاء .

قد يعجبك ايضا