د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
حين تُحرق سنابل القمح في موسم الحصاد، لا نكون أمام نارٍ في حقل زراعي فحسب، بل أمام رسالة سياسية مكتوبة بالدخان والرماد. فالقمح في هذه المنطقة ليس محصولًا عابرًا، بل هو الخبز، والتعب، والذاكرة، وطمأنينة العائلة، وأحد أعمدة البقاء في جغرافيا أنهكتها الحروب والمخططات والحصار.
ما يجري في جغرافية المنطقة الكوردية، وبشكل خاص في محافظة الحسكة في هذه الفترة تحديدًا، ليس حوادث معزولة، ولا حرائق عابرة تلتهم بعض الحقول في موسم الحصاد، بل امتداد لحرب طويلة على مكوّنات المنطقة عمومًا، وعلى المجتمع الكوردي خصوصًا، ولكن بوسائل مختلفة وأقنعة جديدة.
فالقوى التي عملت طوال السنوات الماضية على ضرب بنية المجتمع في المنطقة الكوردية، من خلال تدمير البنية التحتية، وتحريض المنظمات التكفيرية والإرهابية، وخلق الفتن والكراهية بين مكوّنات المنطقة، لم تكن تستهدف الأرض وحدها، بل القضية الكوردية ذاتها؛ تريد طمسها، وتفريغها من مضمونها، وتحويل شعب صاحب حق إلى جماعة مرهقة، منشغلة فقط بشروط البقاء.
وحين تبيّن لتلك القوى أن الحرب المباشرة لم تحقق غايتها، وأن الشعب الكوردي ما زال حيًا، يقاوم ويطالب بحقه، يبدو أنها عادت إلى أحد أخطر أساليبها القديمة: ضرب البنية الاقتصادية للمنطقة، وتعميق الحاجة، وتجويع الناس، وحرمانهم من ضرورات الحياة؛ من الطاقة والكهرباء والماء، إلى طرق التجارة، وصولًا إلى لقمة الخبز نفسها.
وفي موسم الحصاد تحديدًا، ظهرت واحدة من أكثر الصور قسوة وخطورة: حرق المحاصيل الزراعية، ولا سيما حقول القمح، في مناطق متفرقة، غالبًا قرب الطرق العامة أو في أطراف القرى. وهذه الحرائق، وإن كانت لا تميّز في آثارها بين مكوّن وآخر، إلا أن تكرارها في القرى والمناطق الكوردية يجعلها جزءًا من مشهد لا يمكن النظر إليه بوصفه مصادفة بريئة.
إن حرق القمح ليس حرقًا لموسم زراعي فقط، بل حرق لجهد عام كامل، ولذاكرة الفلاح، ولأمل العائلة، ولجزء من أمن المنطقة الغذائي. إنه اعتداء على الخبز قبل أن يكون اعتداءً على الأرض، ورسالة قاسية تريد أن تقول للناس: حتى تعبكم في التراب لن يُترك لكم.
والغاية من هذه السياسة، كما يبدو، ليست تجويع الشعب وحده، بل دفعه إلى الانشغال الدائم بأبسط شروط الحياة، ومنع أي استقرار يمكن أن يشجع على عودة المهجرين، أو يعيد بناء المجتمع، أو يمنح القضية الكوردية قوة اجتماعية واقتصادية جديدة. فالشعب الذي يُرهق بالماء والكهرباء والخبز والحصاد، يُراد له أن ينسى حقوقه القومية والسياسية، وأن يتحول نضاله من المطالبة بالحرية والكرامة إلى البحث عن رغيف وقطرة ماء ومصدر طاقة.
لقد كانت هذه الأمة تصارع الاستبداد سابقًا في صورته المباشرة، أما اليوم فهي تواجه قوى ظلامية تعمل من خلف الستار، وتضرب بصمت، وتختار أكثر النقاط حساسية في حياة الناس: الأرض، والخبز، والماء، والطاقة، والأمان.
إن حرق المحاصيل الزراعية في المنطقة ليس جريمة اقتصادية فحسب، بل جريمة سياسية وأخلاقية تمس مستقبل المجتمع والوطن معًا. فحين تُحرق سنابل القمح، لا يُحرق محصول الفلاح وحده، بل تُحرق معه طمأنينة الناس، ويُهدد الأمن الغذائي، وتُفتح جراح جديدة في جسد شعب لم يتوقف يومًا عن دفع ثمن وجوده وحقه وذاكرته.
ومهما تعددت الأسماء والجهات والأقنعة، فإن النتيجة واحدة: هناك من يريد للمنطقة أن تبقى مرهقة، جائعة، خائفة، ومشغولة بجراحها اليومية، حتى لا تنهض، ولا تستعيد قوتها، ولا تواصل طريقها في الدفاع عن حقها القومي والإنساني.
لذلك لا ينبغي أن تمرّ هذه الحرائق كأخبار عابرة. يجب توثيقها، ومتابعة مصادرها، وكشف الجهات التي تقف خلفها أو تستفيد منها، ورفع مستوى الحماية الشعبية والمؤسساتية للحقول والقرى والطرق. فالصمت أمام حرق القمح يعني ترك النار تكمل مهمتها، لا في الحقول وحدها، بل في الخبز والذاكرة والقضية.