امتحان التفكير النقدي في الصحافة

كرم نعمة

لم يكن ما كتبته جيليان تيت في فايننشيال تايمز مجرد ملاحظة عابرة عن فجوة بين الخطاب والواقع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي. كان أقرب إلى جرس إنذار مبكر عن جيل جديد يدخل سوق العمل وهو يحمل كل أدوات التكنولوجيا، لكنه يفتقر إلى أهم ما تحتاجه المهن المعرفية؛ العمق .

تروي تيت مؤلفة كتاب “رؤية أنثروبولوجية: كيف يمكن لعلم الإنسان أن يفسر الأعمال والحياة” حكاية بسيطة لكنها كاشفة. أحد كبار الممولين في نيويورك استقبل دفعة من المتدربين الصيفيين لعام 2025، واصفًا إياهم بأنهم “أول جيل من أبناء الذكاء الاصطناعي الحقيقيين”. جيل نشأ في بيئة رقمية بالكامل، وتعلّم منذ سنواته الأولى أن يطلب من الخوارزمية أن تفكر عنه .

لكن عندما تعمّق المموّلون في أفكار هؤلاء الشباب، اكتشفوا شيئًا صادمًا؛ سطحية مريعة .

قال الرجل “بدا هؤلاء الطامحون للسيطرة على العالم مثيرين للإعجاب، لكن عندما تعمّقنا في أفكارهم وجدناها سطحية بشكل مثير للقلق ” .

النتيجة كانت لافتة، الشركة قررت تقليل الاعتماد على خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وزيادة الاعتماد على طلاب العلوم الإنسانية .

السبب؟ كما قال المموّل “نريد التفكير النقدي، وليس مجرد الذكاء الاصطناعي ” .

هذه الحكاية الصغيرة تختصر أزمة أكبر بكثير مما تبدو عليه. إنها أزمة جيل كامل يظن أن امتلاك الأدوات يغني عن امتلاك العقل، وأن السرعة تعوّض عن الفهم، وأن القدرة على إنتاج نصوص لا تعني القدرة على إنتاج معنى. فالذكاء الاصطناعي يكتب، لكنه لا يفكّر .

في السنوات الأخيرة، ارتفع الضجيج حول الذكاء الاصطناعي إلى مستويات غير مسبوقة. وعدت الشركات بثورات معرفية، وتنبأ المتحمسون بانهيار المهن التقليدية، بينما حذّر المتشائمون من كوارث وجودية .

لكن كما تقول تيت “لا الأرباح الضخمة تحققت، ولا الكوارث وقعت — على الأقل ليس بعد ” .

السبب بسيط؛ الذكاء الاصطناعي يجيد المحاكاة، لكنه لا يجيد الاستنباط. يجمع البيانات، لكنه لا يرى ما بينها. يكتب بسرعة، لكنه لا يملك حسّ المفارقة، ولا القدرة على قراءة ما وراء السطور .

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، كلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج النصوص، ازدادت حاجتنا إلى الإنسان القادر على تحليلها .

وفي كل ما يحدث، ستكون الصحافة في قلب المعركة، إذا كان القطاع المالي قد اكتشف مبكرًا خطورة السطحية، فإن الصحافة تقف اليوم على حافة امتحان وجودي .

 

فالصحافة ليست مهنة “إنتاج نصوص”، بل مهنة تحليل واستنباط، مهنة تربط بين الوقائع، وتقرأ المؤشرات على الأرض، وتفكك الخطاب، وتعيد تركيب الصورة .

لكن ماذا يحدث عندما يدخل إلى المهنة جيلٌ يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفكر عنه؟ جيلٌ يكتب بسرعة هائلة، لكنه لا يسأل السؤال الصحيح؟ يملك أدوات مذهلة، لكنه يفتقر إلى الحسّ الصحافي الذي لا يمكن لأي خوارزمية أن تصنعه؟

هذا ما حذّر منه آلان روسبريدجر، رئيس تحرير الغارديان السابق ورئيس تحرير مجلة بروسبكتيد الحالي، حين قال “الصحافة ليست ما تقوله الآلة، بل ما يقرره الإنسان أن يسأل عنه ” .

وهكذا يبدو أن “العالم أصبح أسرع من قدرتنا على الفهم” كما كتب توماس فريدمان، وأن التحدي الحقيقي ليس في جمع المعلومات، بل في “امتلاك البوصلة الأخلاقية والفكرية التي تجعلنا نعرف ماذا نفعل بها ” .

هناك فجوة بين الخطاب والواقع، فالضجيج حول الذكاء الاصطناعي في الإعلام يشبه الضجيج الذي تحدثت عنه تيت في القطاع المالي؛ وعود كبيرة، نتائج محدودة، وفجوة تتسع بين ما يُقال وما يحدث فعليًا .

قد يعجبك ايضا