الكابينة العاشرة.. حين تنتصر كوردستان على معارك الأرقام

أحمد زبير باني

ليست كل المعارك جديرة بأن تُخاض، وليست كل الانتصارات السياسية تستحق الاحتفاء بها. فهناك لحظات في تاريخ الشعوب تصبح فيها الحكمة أعظم من الغلبة، ويغدو التنازل من أجل المصلحة العامة أرفع مقاماً من التمسك بالحقوق والاستحقاقات. وفي مثل هذه اللحظات تُختبر معادن الرجال، وتُقاس الأحزاب والحركات السياسية بقدرتها على حماية الأوطان لا بحجم ما تحصده من مكاسب.

واليوم، ومع اقتراب تشكيل الكابينة العاشرة، تجد كوردستان نفسها أمام مفترق طرق جديد، ليس بين رابح وخاسر، ولا بين أكثرية وأقلية، بل بين خيارين واضحين: إما الانشغال بصراعات الأرقام والحصص والمواقع، وإما الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية التي تفرضها المرحلة، بما يحفظ استقرار الإقليم ويعزز وحدة مؤسساته ويطمئن مواطنيه إلى مستقبل أكثر أمناً وثباتاً.

إن الشعوب لا تتذكر من حصل على المقعد الإضافي، ولا من انتزع الحصة الأكبر، لكنها تحفظ في ذاكرتها أولئك الذين وضعوا مصلحة الوطن فوق مصالحهم، وقدّموا استقرار بلادهم على حساب حساباتهم الخاصة. فالأوطان لا تُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشراكة، ولا تستقر بإقصاء طرف أو تهميش آخر، بل بتغليب الحكمة على الانفعال، والتوافق على الخصومة.

ومن هذا المنطلق جاءت المبادرة الأخيرة للرئيس مسعود بارزاني، لتؤكد مرة أخرى أن كوردستان أكبر من جميع الخلافات، وأن حماية التجربة السياسية الكوردستانية يجب أن تبقى أولوية تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى. فالمبادرة لم تكن دعوة إلى تفاهم سياسي فحسب، بل حملت في جوهرها رسالة وطنية عميقة مفادها أن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع النظر إلى ما هو أبعد من المكاسب الآنية، والتفكير بمصير كوردستان ومكانتها ومستقبل أجيالها.

لقد جاءت هذه المبادرة في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى خطاب جامع أكثر من حاجته إلى سجالات سياسية، وإلى إرادات تلتقي عند المشتركات الوطنية بدلاً من التوقف عند نقاط الخلاف. فالتحديات التي تواجه كوردستان، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو إقليمية، لا يمكن مواجهتها إلا ببيت داخلي متماسك، وحكومة مستقرة، وشراكة حقيقية بين القوى السياسية الفاعلة.

ولعل ما يمنح هذه المبادرة وزنها الحقيقي أنها تصدر عن مدرسة سياسية عُرفت تاريخياً بتقديم مصلحة كوردستان على أي اعتبار آخر. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن يوماً حزباً طارئاً على المشهد الوطني، بل كان على امتداد تاريخه الطويل جزءاً أصيلاً من مسيرة النضال الكوردي، وحاضراً في مختلف المراحل المفصلية التي مرت بها كوردستان.

وعبر محطات عديدة من تاريخ الإقليم، أثبت البارتي أنه لا ينظر إلى الاستحقاقات السياسية بمنظار المكاسب الحزبية الضيقة، بل بمنظار المصلحة الوطنية العليا. ففي أكثر من مناسبة، قدّم تنازلات سياسية واستحقاقات كان يمتلكها جماهيرياً وانتخابياً، ليس عن ضعف أو عجز، وإنما انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار كوردستان ووحدة صفها السياسي أكبر من أي مكسب حزبي، وأن الحفاظ على التجربة الكوردستانية مسؤولية جماعية تتطلب أحياناً تقديم التضحيات من أجل المصلحة العامة.

ولم يكن ذلك النهج استثناءً عابراً، بل أصبح جزءاً من الثقافة السياسية التي تبناها البارتي في تعاطيه مع القضايا المصيرية. فالتاريخ لا يتذكر من تمسك بحصته حتى اللحظة الأخيرة، بقدر ما يتذكر من تنازل حين اقتضت مصلحة الوطن ذلك، ومن فضّل استقرار شعبه على زيادة رصيده السياسي.

إن الكابينة العاشرة ليست مجرد تشكيل حكومي جديد، بل اختبار حقيقي للنضج السياسي والمسؤولية الوطنية. فهي فرصة لإثبات أن القوى السياسية في كوردستان قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة، وأنها تدرك حجم التحديات الاقتصادية والسياسية والإقليمية التي تواجه الإقليم، والتي تتطلب حكومة قوية ومستقرة ومؤسسات متماسكة أكثر من حاجتها إلى سجالات لا تنتهي حول الأرقام والنسب والحصص.

فالمواطن الكوردستاني الذي ينتظر تحسين مستوى الخدمات، وتنشيط الاقتصاد، وضمان الرواتب، وتعزيز مكانة الإقليم، لا يعنيه من يربح جولة سياسية أو يخسرها، بقدر ما يعنيه أن يرى حكومة قادرة على الإنجاز وقيادات تضع هموم الناس فوق حسابات السياسة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة التنازل عندما يكون التنازل في مصلحة كوردستان، وشجاعة التوافق عندما يكون التوافق ضرورة وطنية، وشجاعة تغليب المصلحة العامة على المصالح الحزبية والشخصية. فهذه هي الشجاعة التي تصنع الدول وتحفظ التجارب السياسية من الاهتزاز.

واليوم، وبين ضجيج الأرقام وصخب المفاوضات، يبقى السؤال الأهم: ماذا تريد كوردستان من الجميع؟ والجواب واضح كوضوح تاريخ هذا الشعب وتضحياته؛ تريد الاستقرار، وتريد الوحدة، وتريد مؤسسات قوية، وتريد أن ترى قادتها يرتقون إلى مستوى التحديات التي تواجهها.

إن تشكيل الكابينة العاشرة ليس مجرد استحقاق دستوري أو اتفاق سياسي عابر، بل هو اختبار لمدى قدرة القوى السياسية على استيعاب دروس الماضي وقراءة متطلبات المستقبل. فالأجيال لا تحاسب القادة على عدد المقاعد التي حصلوا عليها، بل على مقدار ما وفروا لشعوبهم من استقرار وأمل وفرص للحياة الكريمة.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو ما ستسفر عنه الحوارات الجارية، تبقى المبادرات الوطنية الصادقة هي الطريق الأقصر نحو التفاهم، وتبقى روح المسؤولية التي جسدتها محطات عديدة من تاريخ البارتي نموذجاً يؤكد أن التنازل من أجل الوطن ليس خسارة، بل أرقى أشكال الانتصار.

فحين تكون كوردستان هي البوصلة، يصبح الاتفاق ممكناً، وتصبح الشراكة ضرورة، وتتحول التحديات إلى فرص. أما حين تُختزل السياسة في معارك الأرقام والحصص، فإن الجميع يخسر شيئاً من الوطن، حتى وإن ظن أنه انتصر.

ولذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على من يملك عدداً أكبر من المقاعد، بل على من يمتلك شجاعة اتخاذ القرار الذي يحمي كوردستان، ومن يملك الحكمة الكافية لتقديم مصلحة الشعب على المصالح الآنية. فالمناصب تزول، والتحالفات تتبدل، والأرقام تتغير مع كل دورة انتخابية، لكن ما يبقى في ذاكرة الشعوب هو المواقف التي صُنعت في اللحظات المصيرية.

إن الكابينة العاشرة ليست امتحاناً للأحزاب بقدر ما هي امتحان لمدى إخلاص الجميع لكوردستان. فإما أن تكون محطة لترسيخ الاستقرار وتعزيز الشراكة الوطنية، وإما أن تتحول إلى فرصة ضائعة تضاف إلى سجل الخلافات السياسية. وبين هذين الخيارين، تبقى المسؤولية التاريخية ملقاة على عاتق جميع القوى السياسية، دون استثناء.

لقد أثبتت التجارب أن كوردستان كانت دائماً أقوى كلما انتصرت فيها لغة التفاهم على لغة التنافس، وكلما ارتفعت المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية. كما أثبت البارتي، عبر مسيرته الطويلة، أن التنازل من أجل كوردستان لم يكن يوماً خسارة، بل كان عنواناً للقوة والثقة بالنفس والإيمان بالمشروع الوطني.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج كوردستان إلى هذه الروح؛ روح المسؤولية والشراكة والتضحية. لأن الأوطان لا يحميها المنتصرون في معارك الأرقام، بل يحميها أولئك الذين يدركون أن الوطن نفسه هو الانتصار الأكبر.

وعندما تُطوى صفحات هذه المرحلة، لن يتذكر الناس تفاصيل المقاعد والحصص، بل سيتذكرون من وقف مع استقرار كوردستان، ومن قدّم مصلحة شعبها على كل اعتبار. وعندها فقط، ستُكتب الكابينة العاشرة في سجل التاريخ بوصفها اللحظة التي انتصرت فيها الحكمة على المصالح، والشراكة على الانقسام، وكوردستان على ما عداها.

قد يعجبك ايضا