اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية 21 أيار\ مايو

تيسير عبد الجبار الآلوسي

ما مهامنا في إطار التعددية في فضائها الإنساني الأممي والعراقي الوطني؟

عالمياً وفي عموم كوكبنا ودوله والشعوب المنضوية في الأمم المتحدة فإنَّ تقديرات الأمم المتحدة ودراساتها، تؤكد أنّ ما يناهز 89% من النزاعات في أرجاء المعمورة تحدث في بلدان يتراجع فيها الحوار بين الثقافات وينتفي خطاب التفاهم واحترام الآخر ما يُذكي أوار الحرائق ويُشعلها.

وإذا ما قرأنا هذه الحقيقة في المستوى العراقي فإن البلاد ومكوناتها المجتمعية تتعدد في ثقافاتها وتتنوع وهو ما استغلته قوى الحكم وأحالتها بسطوة منظومتها الظلامية إلى ظاهرة من الاختلاف بل الخلاف واختلقت بذلك الفعل أزمات وصراعات متوالدة وصلت في مرحلة ما يناظر مقاتل حرب أهلية وهي تُنذر بذلك مع الإيغال في نهج السلطة وتشويه مسار العمل وتراجع بل اختفاء خطى التنمية سواء منها البشرية أم مجمل مسارات التنمية الاقتصادية اجتماعية بأوسع المفاهيم التي ترعاها الأمم والشعوب.

وثانيةً، نؤكد المنظور الذي يرى أنّ القطاع الثقافي والإبداعي يشكّل أحد أبرز بل اقوى محركات التنمية في جميع أنحاء العالم. وعلى وفق بيانات اليونسكو، فالثقافة تستوعب ما يناهز الـ 50 مليون وظيفة على مستوى العالم، تمثل النسوة نصفها وتلك الأرقام تحظى بنسبة < 6٪ من إجمالي الوظائف الحالية بما يتجاوز تأثيرها حجم 3٪ من إجمالي الناتج المحلي عالمياً؛ علما أن قطاع الثقافة يوفر أكبر قدر من الفرص للأجيال الشابة ما دون الثلاثين.

وعلى الرغم من أهمية (قطاع الثقافة) إلا أننا سنجد أنّه لا يحظى عراقيا باهتمام يتناسب وإمكانات استثمار هذا القطاع المهم في بناء الإنسان واحتواء فعالياته والارتقاء بقدرته النوعية في تحقيق التنمية البشرية التي تجد عقبات خطيرة بينها شيوع منظومة الخرافة والجهل مع تمكّن الأميتين من نسبة واسعة من العراقيات والعراقيين!

فالعراق يكتفي بوزارة مركبة المهام في إطار الثقافة وبمديريات مفرغة من قدرة الحركة والعمل فضلا عن سطوة التوزيع المحاصصاتي على جميع مفاصلها وخضوعها لأداء منخور لآليات كليبتوقراطية الهوية مرة وفي أخرى تتم مصادرته ببلطجة عنفية ميليشياوية ترقى للإرهاب الفكري المقرون بالتصفيات الجسدية أو التهديد بها لكل الاصوات الحرة ولأية خطوة تتبنى التنوير وقيم التنمية..

لقد أصدرت الأمم المتحدة ومنظماتها الناشطة في الثقافة والتنمية إعلانها التاريخي للثقافة في مؤتمرها الأممي عام 2022 مؤكِّدةً المنفعة العالمية العامة للثقافة وأدوارها ما يفرض التحول بها إلى هدف محدد في حدّ ذاته في مهام التنمية واستراتيجيتها حتى العام 2030. واستكمالا لما صدر ثبَّتَ نص الإعلان الأممي جملة الحقوق الثقافية التي يجب ادماجها في السياسات العامة لكل بلد. ويتضمن ذلك: الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفنانين ومبدأ الحرية الفنية بكل مضانّها، إلى جانب حقوق مجتمعات السكان الأصليين من شعوب ومكونات في تفعيل معارف الأجداد وحمايتها، فضلا عن مهام تعزيز التراث الثقافي والطبيعي وحمايته بصورة شاملة ونوعية إبداعية وافية.

لكننا عراقيا بوقت نشهد دعما أمميا من الأمم المتحدة ومن منظماتها وبينها اليونسكو ومن دول عديدة وتوجها عالميا لإعادة ما يُكتشف من سرقات للآثار ومن منجزات ومن تبني إبداعات الفنانين والمثقفين نجد أن بعض تلك الآثار التي تعود لموطنها يجري الاتجار بها أو تهريبها لأطراف تسطو على المشهد العراقي ومنتجي ثقافتنا المحتفى بهن وبهم عالميا لا يجدون صدى في الوطن ما يقصيهم ويعزلهم في غرباتهم ومنافيهم.. أما من هم في داخل الوطن فهن وهم جزر معزولة محظورة الاتصال الجماهيري أو لا يُسمح بامتلاك أية فرصة للمساهمة بمسيرة بناء الإنسان بصورة تعيده للانتماء للعصر ومستجداته؛ والذريعة دائما تكفيرية لدى متطرفي الطائفية السياسية المزعوم تمثيلها الدين وكأن الاهتمام بمعالجة الحداثة ومسارها والمعاصرة وخطاها هو كفر ومعاداة للمقدس في معتقدات الناس التي حصرها منتجو خطابها بالخرافة لا بالدين والمعتقد فيما يقع بعض من يتحدث عن الدين بالخلط الذي يُسوَّق لصالح الدين السياسي من جهة ومن يتخفى بخطابه من عناصر التخريب ما يتطلب حوارا هادئا موضوعيا حتى مع بعض كتّابنا بهذا الميدان..

ولأنّ 75% من الصراعات الكبرى في العالم ذات أبعاد ثقافية المنشأ أو الحجة والذريعة وتلك النسبة أكبر محليا عراقيا إن الالتفات إلى أهمية التنوع الثقافي والعمل على جَسْر الهوة بين الثقافات من جهة وبين معتنقيها ومن يحمل رسائلها تبقى مسألة أعمق من ضرورية وأبعد من حرجة تجاه اشتغال المجموعات والمكونات مختلفة الثقافات نحو تحقيق السلام والاستقرار ومن ثم تلبية محاور التنمية.

ومجدداً أؤكد أهمية ألا ننسى أو نغفل أنّ التنوع الثقافي يشكّل قوة كبرى محركة للتنمية، ليس في ميدان النمو الاقتصادي حسب بل أيضاً بوصف ذاك التنوع وربما الاختلاف والتعدد يجسد وسيلة عيش الإنسان العادي حياةً فكريةً وعاطفية ومعنويةً أو روحية أكثر نضجاً وغنى واكتمالاً، الأمر الذي تنصّ عليه كل الصكوك الدولية التي تنظم وتُعنى بميدان التراث الثقافي ومساراته ومجمل خطاباته بتنوعاتها، تلك الميادين التي تتيح لنا ركائز صلبة لتعزيز تنوعنا الثقافي عبر احترام وجوده وليس عبر التضييق والتشويه أو المصادرة والحظر.

وفي ضوء ذلك، يُعدّ التنوع الثقافي ميزة بنيوية لجهود الحدّ من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة التي تحدثنا للتو مثلما جسدتها الوثائق الأممية. ومن ثمّ [فقط] عبر القبول بالتنوّع الثقافي والاقرار به – الذي يمكن أن نحققه بوساطة الاستعمال المبدع المثمر للإعلام ولتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل بارز ومميز – أقول عندها (فقط) يمكننا المساهمة فعليا في خلق منصات الحوار بين (الحضارات وامتداداتها الثقافية) وكذلك في بلوغ مستوى جدي مؤثر من تبادل الاحترام والتفاهم وكسر مسببات أو ذرائع اختلاق الأزمات والصراعات المعرقلة للتنمية ولمسيرة الإنسان المواطن في بلدنا وفي بلد في العالم .

إن رسالة (اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية) ترتقي اليوم لمستوى أكثر أثراً وبروزاً من أية مرحلة سابقة وهي في الوضع العراقي أكثر أهمية في أولويتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما بتنا فيه عراقيا من مآزق ونُذُر ركوس في قعر الهاوية التي تم سجن الشعب ومكوناته فيها.. وأذكر بأن تغييرا تنمويا فعليا حقيقيا يمكن أن يحدث فقط عبر الاستفادة من الإمكانات الإبداعية لثقافات مكونات الشعب العراقي بتنوعاتها وعبر وضعها في منصة حوار دائم دائب متواصل لضمان استفادة جميع أفراد المجتمع ومكوناته من التنمية المستدامة التي ربما انتهجنا السبيل نحوها بإرادة وطنية إنسانية تحترم الشعب وجوديا ولا تُنكر أو تقصي أو تلغي أي طرف في تكوينه.

ولا تنسوا هنا وضع برامج معيارية قابلة للقياس والمتابعة ووضعها بين يدي من يستطيع تنفيذ مهامها كما بوجود المجلس الوطني العراقي للثقافة والفن والعلم ربما بجانب وزارة ثقافة تُخلي المهام النوعية الكبرى لهذا المجلس الممول استثمارا كبيرا ونوعيا غير محدود.. إن العراق مطالب بأبعد من نداءات تعالى صوتها مؤخرا بشأن إبعاد وزارة الثقافة واختيار وزيرها من المحاصصة إلى مستوى نوعي جديد أشرت للتو إلى ولادة مجلسه الوطني وأضيف هنا إلى دعم نُظم مستدامة لحوكمة الثقافة بتحقيق تبادل متوازن من السلع والخدمات الثقافية لا تمحو الثقافي الروحي بماديات رخيصة أو بنهج تجاري موبوء نعرف حجم فساده بالمعنى الأوسع لمصطلح فساد وباعتماد منهج جديد في عمل الفنانين والعاملين الآخرين في مجال الثقافة وحركة اشتغالهم وسط ميادينهم وتنقلا بينها. ويتبع ذلك حتما العمل على دمج الثقافة في برامج التنمية المستدامة وسياساتها الأشمل حيثما وجدنا خريطة تنموية صحية صحيحة.. وحتما يلحق هذا الدمج عناية مخصوصة بتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساس

وأخيرا وليس آخرا، فإنَّ هذا اليوم الحادي والعشرين من مايو آيار من كل عام المعروف باسم اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية؛ يتيح لنا جميعا وكافة، فرصة تعميق مفهومنا لقيم التنوع الثقافي ومن ثم دعم أهداف اتفاقية حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي وتعزيزها تلك التي اعتمدتها اليونسكو في أكتوبر تشرين أول عام 2005:

وأذكر أن مجال الأنشطة وميادينها الواسعة باتساع مساحة الوطن بيتا لجميع من يحيا على أرضه تمتلك تلك الأنشطة أيضا فضاء أرحب وأوسع هو الفضاء السيبراني وعوالمه الجديدة ما يدعو إلى أعمق اهتمام بتنظيم القطاع الرقمي بصورة نوعية ترتقي لمعاني وجوده وأدواره النوعية الكبيرة ليس في تفريغه من محتواه وفحواها بل في إغناء ذلك بما يرتقي باحتفالنا في كل لحظة بمنجز يضيف إلى كل زقورة ومعلقة لجنائن الوطن بهية فخورة بأهلها وكل عام ومكونات شعبنا بهوياتها الثقافية المعرفية وامتداداتها بكل خير وحراك حر كريم..

وأختم ندائي لمثقفاتنا ومثقفينا بأن يعاودوا الجولة من أجل مجلسهم الوطني للثقافة وأن يحتفلوا بوجودهم قبل فوات أوان ورسو على موانئ انقراض أو ظلام لقرون مضافة بعد قرون الظلام القديمة منها وعقودها الجديدة..

قد يعجبك ايضا