سرحان محمد علي الكاكئي
ًالمحطة كانت شبه فارغة في ذلك الوقت المتأخر من الليل المقاعد الخشبية الطويلة يغطيها غبار خفيف وصوت صفير الريح يتسلل من النوافذ الزجاجية المكسورة في السقف العالي بينما كان يونس يجلس وحيداً معطفه الصوفي الأسود مرفوع الياقة ليحمي عنقه من البرد القارس وبجانبه حقيبة جلدية قديمة متهالكة الأطراف.كان يطالع الساعة الكبيرة المعلقة في وسط المحطة عقاربها الحديدية السوداء تتحرك ببطء شديد كأنها تعاند الوقت أو كأنها ترفض أن تمشي وتعلن نهاية هذه الليلة الطويلة.كان ينتظر قطار الحادية عشرة. قطار الغياب الأخير.أخرج من جيبه تذكرة ورقية مجعدة تذكر كم كان الثمن غالياً ثمن الهروب من مدينة خانقة لم تمنحه سوى الخيبات والوجوه الشاحبة التي تمر بجانبه كل يوم دون أن تلتفت إليه تذكر بيته القديم والغبار الذي تركه فوق الطاولة وصورة والدته المعلقة في الصالة ولم يشعر بالندم كان يريد فقط أن يختفي.فجأة سمع صوت قطار يقترب من بعيد.صوت الحديد وهو يحتك بالقضبان بقوة ويزلزل الأرض تحت قدميه قام يونس من مكانه بسرعة ومسك حقيبته بقبضة قوية ونظر نحو الممر المظلم متوقعاً رؤية كشاف القطار القوي لكن الصوت استمر في الارتفاع والاقتراب بشكل جنوني ومخيف دون أن يظهر أي قطار في الأفق تلاشت الأصوات فجأة وعاد الصمت ليطبق على المحطة من جديد كأن شيئاً لم يكن.نظر يونس إلى الساعة الكبيرة مرة ثانية.صدم حين رأى العقارب قد تجاوزت الحادية عشرة والنصف والقطار لم يأت ولن يأتي جلس مرة ثانية على مقعده البارد وفتح حقيبته ليتأكد من أشيائه لقى التذكرة الورقية قد تحولت في يده إلى مجرد ورقة بيضاء فارغة تماماً لا تحمل اسماً ولا وجهة ولا تاريخاً مدركاً في تلك اللحظة بالذات أنه لم يكن ينتظر قطاراً بل كان ينتظر حجة لكي يقنع نفسه بأنه ما زال على قيد الحياة في محطة نسيتها الحياة منذ زمن بعيد.