أكـرم الزيباري… سادنُ الألواح القديمة

محمد علي محيي الدين

في مدينة الموصل، حيث تتجاور طبقات التاريخ وتنهض الحضارات من بين أطلالها، وُلد الدكتور أكرم سليم الزيباري سنة 1932، وكأنّ قدره كان أن يصغي منذ طفولته إلى الهمس البعيد الصاعد من مدن آشور وبابل، وأن يحمل شغف التنقيب في ذاكرة العراق القديمة، لا بالحفر في التراب وحده، بل بالحفر في المعنى والزمن واللغة.
كان من أولئك الذين رأوا في التاريخ أكثر من حكايات ماضية، إذ أدرك مبكرًا أن الحضارات لا تموت ما دامت هناك عقول تسهر على قراءة آثارها وفهم إشاراتها. لذلك مضى في دراسته بعزيمة الباحث الحقيقي، حتى نال شهادة الدكتوراه في علم الآشوريات من جامعة مانستر في ألمانيا سنة 1962، ليعود بعدها إلى العراق محمّلًا بمعرفة أكاديمية رصينة، وروح علمية جعلته واحدًا من أبرز المتخصصين في الدراسات المسمارية والتاريخ القديم.
لم يكن الزيباري مجرد أستاذ جامعي يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان معلمًا يؤمن بأن المعرفة رسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنة. ولهذا شغل مواقع علمية متعددة، من بينها رئاسة قسم الآثار في كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1985، حيث أسهم في إعداد أجيال من الباحثين والمؤرخين والآثاريين الذين وجدوا فيه مثال الأستاذ الهادئ، المتواضع، القريب من طلبته، البعيد عن التعالي والزهو العلمي.

وفي رحلته الطويلة مع البحث والتنقيب الفكري، انفتح على المحافل العلمية العربية والعالمية، فكان عضوًا في جمعية المؤرخين والآثاريين في العراق، وعضوًا في اتحاد المؤرخين العرب، كما شارك في مؤتمرات دولية مهمة، منها مؤتمر الآشوريات في روما سنة 1973، ومؤتمر الآشوريات في فيينا سنة 1981، ليكون صوتًا علميًا عراقيًا حاضرًا في النقاشات العالمية المتعلقة بتاريخ الشرق القديم وحضاراته.
ترك الدكتور الزيباري إرثًا علميًا غنيًا تمثل في أكثر من ثلاثين بحثًا ودراسة في ميادين الدراسات المسمارية والتاريخ القديم، فضلًا عن مؤلفات مهمة أصبحت مراجع للباحثين والمهتمين بهذا الحقل المعرفي. ومن بين كتبه البارزة كتابه “رسائل من العهد البابلي القديم” باللغة الألمانية سنة 1964، وكتابه “مقدمة في اللغات القديمة” سنة 1980، إضافة إلى كتابه “العلاقات بين أقطار الشرق الأدنى في القرن الرابع عشر قبل الميلاد”، وهو عمل يكشف عمق اهتمامه بالعلاقات الحضارية والسياسية بين شعوب المنطقة في الأزمنة الغابرة.
ولعل أجمل ما يختصر شخصيته ذلك القول الذي آمن به وجعله منهجًا لحياته: “العمل بجد وإخلاص في مجال اختصاصي، وتعليم وتوجيه طلبتي بكل إخلاص وبساطة، وعدم الكبرياء على كائن من كان في العمل وعلى كل المستويات”. وهي كلمات لا تبدو مجرد نصيحة عابرة، بل خلاصة تجربة إنسان عاش العلم بروح المتواضعين الكبار، أولئك الذين يدركون أن المعرفة الحقيقية تزداد اتساعًا كلما ازداد صاحبها تواضعًا.
لقد انشغل أكرم الزيباري بالألواح المسمارية والنصوص القديمة، لكنه في العمق كان يقرأ الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي يترك أثره في الحجر والطين واللغة، ثم يمضي. ومن هنا جاءت قيمته العلمية والإنسانية معًا، لأنه لم يكن مؤرخًا للحضارات فحسب، بل واحدًا من حرّاس ذاكرتها النبلاء، الذين أفنوا أعمارهم كي تبقى شمس العراق القديم مضيئة في الوعي الإنساني.

قد يعجبك ايضا