محمد علي محيي الدين
في مدينة عنه، حيث يمتد الفرات كأنه صفحة كتابٍ مفتوح على التاريخ، وُلد إسماعيل إبراهيم عبد القادر القاضي سنة 1920، حاملاً في داخله منذ البدايات بذرةً مزدوجة: عقل القانون، وروح الأدب. لم يكن اختياره لدراسة الحقوق مجرد طريقٍ وظيفي، بل كان امتداداً لرؤيةٍ أعمق، ترى في العدالة معنى إنسانياً قبل أن تكون نصوصاً جامدة، وتبحث في الكلمة عن وجهٍ آخر للحقيقة.
تخرّج في كلية الحقوق سنة 1941، وفي تلك المرحلة كان العراق يشهد تحولات فكرية وثقافية متسارعة، فكان القاضي أحد الذين جمعوا بين الانضباط المهني والانفتاح المعرفي. تنقّل بين وظائف عدة، فعمل قاضياً يحمل ميزان العدل، ثم مفتشاً في التفتيش العدلي يراقب سلامة هذا الميزان، قبل أن ينتقل إلى التدوين المالي في مجلس الشورى، حيث الكلمة القانونية تُصاغ بدقةٍ لا تقل صرامة عن الحكم القضائي. وفي كل موقعٍ شغله، ظل وفياً لفكرة أن القانون ليس مجرد أداة تنظيم، بل هو تعبير عن ضمير المجتمع.
غير أن عالمه لم يتوقف عند حدود الوظيفة، فقد كان للأدب في حياته حضورٌ لا يقل عمقاً عن حضور القانون. انتمى إلى جمعية المؤلفين والكتاب، وشارك في جمعية إحياء التراث العربي والإسلامي، وحضر مؤتمرات أدبية داخل العراق، وكان من بين وجوهها الثقافية في مهرجان المربد، حيث تتلاقى الأصوات الشعرية والفكرية في فضاءٍ يحتفي بالكلمة الحرة.

تجلّت رؤيته الأدبية في مؤلفاته، وأبرزها كتابه “الخنساء في مرآة عصرها”، الذي صدر في ثلاثة أجزاء بين عامي 1962 و1966، وفيه حاول أن يقرأ الشاعرة الخنساء لا بوصفها صوتاً فردياً، بل مرآةً لعصرٍ بكامله، تتقاطع فيه المأساة مع البطولة، والحزن مع خلود الذكر. كما ترك ديواناً شعرياً كبيراً في ثلاثة أجزاء، بقي مخطوطاً، كأنه أسرارٌ لم تُفصح عنها الأيام كاملة، وإن كان بعضه قد نُشر في موسوعة “شعراء بغداد” للشيخ علي الخاقاني، فكان شاهداً على شاعرٍ يسكن خلف القاضي.
ولم يكن القاضي أسير المألوف في أفكاره، بل امتلك جرأةً فكرية دفعت به إلى طرح رؤى مثيرة للجدل، من بينها قوله بأصول عربية لأساطير اليونان، وربطه بين السومريين والكنعانيين، وهي أطروحات فتحت باب النقاش بين الباحثين، ولفتت أنظار عدد من الأدباء والمفكرين الذين كتبوا عن آرائه، منهم الشاعر القروي ومحمد خليفة التونسي وزكي المحاسني. لم يكن هدفه من هذه الآراء إثارة الجدل بقدر ما كان سعياً لإعادة قراءة التاريخ بعينٍ مختلفة، تحاول أن تصل بين الحضارات بدل أن تفصل بينها.
وفي عمق هذه المسيرة، ظل يحمل رؤية إنسانية بسيطة لكنها عميقة، تختصر فلسفته في عبارة: “حب الإنسان للإنسان في سبيل الخير والمحبة”. تلك الجملة لم تكن شعاراً عابراً، بل كانت خلاصة تجربةٍ عاشها بين القضاء والأدب، بين النص القانوني والنص الشعري، فوجد أن العدل الحقيقي لا يكتمل إلا بالمحبة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من الحكم.
رحل إسماعيل القاضي عام 2002، تاركاً وراءه سيرة رجلٍ جمع بين صرامة القانون ورهافة الأدب، وبين البحث في الماضي والانشغال بالحاضر، فبقي أثره في ما كتب، وفي ما فكّر، وفي تلك المسافة النادرة التي وصل فيها بين العقل والقلب دون أن يفرّط بأحدهما.