الحضر.. حين التقت ذاكرة التاريخ بخطى المسافرين

نبيل عبد الأمير الربيعي

ضمن رحلاتها الثقافية والسياحية الهادفة لاكتشاف كنوز العراق الحضارية، نظم گروب شركة التكاتم السياحي رحلة مميزة انطلقت باتجاه مملكة الحضر التاريخية في محافظة نينوى، تلك المدينة التي ما زالت تقف شامخة رغم تعاقب الأزمنة والعواصف، شاهدة على عظمة الحضارات التي مرت من هنا.
منذ ساعات الصباح الأولى، انطلقت الحافلة وهي تحمل وجوهاً متشوقة لرؤية واحدة من أهم المدن الأثرية في العراق، مدينة طالما قرأنا عنها في كتب التاريخ، لكن الوقوف أمام أسوارها وأعمدتها وقصورها يمنح شعوراً مختلفاً، شعوراً بأن الزمن يعود إلى الوراء آلاف السنين.
تقع مدينة الحضر في قلب بادية الجزيرة الشمالية التابعة لمحافظة نينوى شمالي العراق، وتتوسط نهري دجلة والفرات عند الأطراف الشمالية الغربية من العراق، وعلى وادي الثرثار الذي يمر إلى الشرق منها بنحو 3 إلى 4 كيلومترات.

وتبعد أطلال وبقايا مدينة الحضر نحو 110 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة الموصل، ونحو 50-60 كلم إلى الشمال الغربي من الشرقاط (آشور). وامتد نفوذ مملكة الحضر إلى نهر دجلة من الشرق والفرات من الغرب، ومن جبال سنجار في الشمال إلى مشارف طيسفون/ المدائن في الجنوب، لكن في عصر ازدهارها امتد نفوذها شمالا إلى ما وراء سنجار، حتى وصل الخابور ونصيبين أقصى شمال العراق.
وكانت الحضر عاصمة لمملكة عربية مزدهرة ازدهرت في القرن الثاني قبل الميلاد، وتميزت بموقعها الاستراتيجي الذي جعلها مركزاً تجارياً ودينياً مهماً. وقد عرفت المدينة بأسوارها الضخمة ومعابدها وتماثيلها التي جمعت بين الفن الشرقي والتأثيرات اليونانية والرومانية، ما منحها طابعاً معمارياً فريداً.
وخلال الجولة، تنقلنا بين بقايا المعابد والأقواس الحجرية العملاقة، بينما كانت عدسة كاميرة عماد الزبيدي توثق لحظات التأمل والانبهار بعظمة المكان. فالحضر ليست مجرد أطلال أثرية، بل ذاكرة حية تختزن قصص الملوك والمحاربين والتجار، وتحكي للأجيال كيف كان العراق مركزاً للحضارة والفن والقوة.
ولم تخلُ الرحلة من الأحاديث الثقافية والنقاشات حول أهمية الحفاظ على الإرث الحضاري العراقي، خصوصاً بعد ما تعرضت له الحضر من تخريب خلال السنوات الماضية على يد عناصر داعش، قبل أن تعود الحياة إليها بجهود العاملين في قطاع الآثار والتراث.
لقد كانت هذه الرحلة أكثر من مجرد نزهة سياحية؛ كانت درساً في الانتماء، ورسالة تؤكد أن زيارة المواقع الأثرية ليست ترفاً، بل فعل وفاء لذاكرة الوطن، ومحاولة لإعادة اكتشاف العراق الجميل الذي ما زال قادراً على إدهاشنا في كل زاوية من أرضه.
وفي طريق العودة، بقيت الحضر حاضرة في الأذهان، بصمتها الحجرية المهيبة، وأعمدتها التي قاومت الزمن، وكأنها تقول لزائريها: هنا مرت الحضارات، وهنا سيبقى العراق واقفاً مهما تعاقبت العصور.

قد يعجبك ايضا