جورج منصور
في شتاءات كركوك في الستينيات، حين كانت الريح تهبّ من السهول كأنها تحمل برداً قادماً من زمنٍ أبعد من الذاكرة، كان يظهر في الأزقة رجلٌ تعرفه البيوت قبل أن تراه العيون. بائع النفط… بملابسه المهترئة التي التصق بها سواد المهنة، كأنها قطعة من الليل لا تفارقه، وعربته الخشبية التي يجرّها حمار صبور، يعرف الطرق أكثر مما يعرفها صاحبه.
كان صرير العجلة على الحصى إعلاناً لوصوله، فيخرج الأطفال أولاً، ثم تتبعهم الأمهات بعباءاتٍ ثقيلة، يلوّحن له من خلف الأبواب نصف المفتوحة. لم يكن مجرد بائع، بل كان جزءاً من إيقاع الشتاء، مثل المدفأة، مثل رائحة الشاي، مثل صوت المطر حين يطرق السقوف.
يقف عند باب كل دار، يحيّي بصوتٍ دافئ رغم قسوة البرد، ثم يُنزل القمع المعدني الكبير، الذي بدا كأنه آلة طقسية أكثر منه أداة عمل. يثبته على فوهة البرميل المركون في باحة البيت، ويبدأ بسكب النفط ببطءٍ محسوب، فينساب السائل الداكن بصوتٍ خافت، كأنه سرٌّ يتسرّب إلى عمق الشتاء.
لم تكن هناك دفاتر، ولا حسابات معقدة، ولا حتى نقودٌ حاضرة في كل مرة. بعد أن ينتهي، يمدّ يده إلى قطعة فحم سوداء، ويرسم على جدار الحديقة أرقاماً متواضعة: عدد اللترات، والمبلغ المستحق. كانت تلك الأرقام، رغم بساطتها، عقداً غير مكتوب بينه وبين أهل الدار، وثيقة ثقة لا تحتاج إلى توقيع.
وكان المطر، حين يهطل بغزارة، يمحو تلك الكتابات كما تمحو الأيام آثار الأقدام. فيعود الرجل بعد أيام، يقف أمام الجدار الخالي، يحدّق فيه لحظة، ثم يلتفت إلى صاحب البيت ويسأله بهدوء:
“كم لترًا أعطيتكم في المرة الماضية؟”
أحياناً يتذكر صاحب الدار، فيخبره بدقة، وكأن الأرقام لم تُمحَ من ذاكرته. وأحياناً يتردد، أو يعجز عن التذكر، فيلوّح البائع بيده وكأن الأمر لا يستحق العناء، ويأخذ مبلغاً رمزياً، أو يؤجّل الحساب إلى مرة أخرى، بلا ضيقٍ ولا شك.
كانت تلك العلاقة، البسيطة في ظاهرها، تقوم على شيءٍ أثقل من المال: على الثقة. ثقةٌ تجعل الجدار دفتراً، والفحم قلماً، والكلمة عهداً.
وكان الحمار، الواقف بصبرٍ إلى جانب العربة، يهزّ رأسه بين حينٍ وآخر، كأنه شاهدٌ صامت على زمنٍ كان الناس فيه يدفئون بيوتهم بالنفط… وقلوبهم بالاعتماد على بعضهم البعض.
