الباحثة بشرى جلال حسن
شهد القطاع المصرفي الأهلي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة فرضتها التطورات الاقتصادية والتكنولوجية والانفتاح المالي العالمي، فأصبحت المصارف الأهلية لاعباً رئيسياً في حركة الاستثمار وتمويل المشاريع وتحريك النشاط الاقتصادي داخل الدول. ولم تعد وظيفة المصرف تقتصر على استقبال الودائع ومنح القروض فحسب، بل امتدت لتشمل أدواراً اجتماعية وتنموية متعددة ترتبط بحياة المجتمع واستقراره الاقتصادي والاجتماعي. وفي ظل اشتداد المنافسة بين المؤسسات المالية، برزت معادلة دقيقة تحاول المصارف الأهلية تحقيقها، تتمثل في التوازن بين تحقيق الربحية من جهة، والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية من جهة أخرى.
إن الربحية تعد الهدف الأساسي لأي مصرف أهلي، لأنها تمثل معيار النجاح والاستمرارية والقدرة على التوسع وتطوير الخدمات. فالمصرف الذي لا يحقق أرباحاً كافية لن يكون قادراً على مواجهة الأزمات المالية أو تمويل مشاريعه المستقبلية أو تعزيز ثقة المودعين والمستثمرين به. ولهذا تسعى المصارف الأهلية إلى زيادة حجم استثماراتها وتطوير خدماتها المصرفية الإلكترونية وتوسيع قاعدة عملائها لتحقيق عوائد مالية مرتفعة. كما تعتمد على سياسات تسويقية وإدارية متقدمة لزيادة قدرتها التنافسية في السوق المالي.
وتتجسد أهمية الربحية في كونها المصدر الرئيسي لتكوين الاحتياطيات المالية وتحسين رأس المال وتعزيز الاستقرار المصرفي. كما أن الأرباح المرتفعة تمنح المصارف قدرة أكبر على تقديم خدمات متنوعة بأسعار تنافسية، إضافة إلى تمكينها من التوسع في منح القروض وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وتنعكس قوة المصرف المالية على الاقتصاد الوطني بشكل مباشر، لأن المصارف القوية تسهم في تنشيط الاستثمار وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل.
إلا أن التركيز المفرط على تحقيق الأرباح قد يؤدي أحياناً إلى إضعاف الجانب الإنساني والاجتماعي في عمل المصارف الأهلية، خصوصاً عندما تتحول الربحية إلى هدف منفصل عن القيم الأخلاقية والتنموية. فبعض المصارف قد تلجأ إلى رفع الفوائد أو فرض عمولات مرتفعة أو التوسع في الإقراض عالي المخاطر بهدف تحقيق عوائد أكبر، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على العملاء والمجتمع والاقتصاد بصورة عامة. لذلك برز مفهوم المسؤولية الاجتماعية بوصفه إطاراً أخلاقياً وتنموياً يحدد طبيعة العلاقة بين المصرف والمجتمع.
ويقصد بالمسؤولية الاجتماعية للمصارف الأهلية مجموعة الالتزامات الأخلاقية والتنموية التي تتبناها المؤسسات المصرفية تجاه المجتمع، بما يشمل دعم المشاريع التنموية والتعليمية والصحية والبيئية، والمساهمة في مكافحة البطالة والفقر، وتقديم المبادرات الإنسانية والخيرية. كما تتضمن المسؤولية الاجتماعية حماية حقوق العملاء وضمان الشفافية والنزاهة في التعاملات المالية، إضافة إلى دعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.
وقد أصبحت المسؤولية الاجتماعية جزءاً أساسياً من سمعة المصارف الأهلية ومكانتها في الأسواق المالية، إذ بات العملاء يفضلون التعامل مع المؤسسات التي تتمتع بصورة إيجابية وتسهم في خدمة المجتمع. ولذلك اتجهت العديد من المصارف إلى إطلاق برامج اجتماعية متنوعة تشمل تمويل الطلبة ودعم المؤسسات الصحية ورعاية الأنشطة الثقافية والرياضية والمشاركة في حملات الإغاثة الإنسانية. كما اهتمت بعض المصارف بتبني سياسات صديقة للبيئة وتقليل استخدام الورق والتحول إلى الخدمات الرقمية حفاظاً على الموارد الطبيعية.
ومن الجوانب المهمة في المسؤولية الاجتماعية للمصارف الأهلية الاهتمام بالشمول المالي، أي توفير الخدمات المصرفية للفئات التي تعاني من ضعف الوصول إلى المؤسسات المالية، مثل سكان المناطق الريفية وذوي الدخل المحدود والشباب والنساء. فتعزيز الشمول المالي يسهم في تقليل الفقر وتحفيز المشاريع الصغيرة ودمج شرائح واسعة من المجتمع في النشاط الاقتصادي الرسمي. كما أن توفير القروض الميسرة والخدمات الرقمية يساعد على تحقيق العدالة الاقتصادية وتعزيز التنمية.
ولا يمكن فصل المسؤولية الاجتماعية عن الحوكمة الرشيدة داخل المصارف، لأن الإدارة الناجحة تقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة وحماية حقوق المساهمين والعملاء والعاملين. فالمصرف الذي يلتزم بمعايير الحوكمة يكون أكثر قدرة على كسب ثقة الجمهور وتقليل مخاطر الفساد وسوء الإدارة. كما أن الالتزام بالقوانين والتعليمات المصرفية يسهم في تعزيز الاستقرار المالي وحماية الاقتصاد الوطني من الأزمات.
وفي العديد من الدول، أصبحت المصارف الأهلية مطالبة بإصدار تقارير دورية توضح حجم مساهماتها الاجتماعية والبيئية، إلى جانب بياناتها المالية التقليدية. ويعكس ذلك التحول العالمي نحو ربط الأداء الاقتصادي بالأبعاد الاجتماعية والإنسانية. كما أن المؤسسات الدولية باتت تقيّم المصارف ليس فقط على أساس أرباحها، بل أيضاً على أساس مدى التزامها بالتنمية المستدامة وحماية البيئة واحترام حقوق الإنسان.
وتواجه المصارف الأهلية تحديات كبيرة في تحقيق التوازن بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية، لأن بعض المبادرات الاجتماعية قد تتطلب إنفاقاً مالياً مرتفعاً لا يحقق عائداً فورياً. كما أن المنافسة القوية في الأسواق المالية تدفع بعض المصارف إلى التركيز على المكاسب السريعة بدلاً من الاستثمار في المشاريع المجتمعية طويلة الأمد. إضافة إلى ذلك، فإن الأزمات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي قد يؤثران على قدرة المصارف على تمويل المبادرات الاجتماعية.
ومن التحديات الأخرى ضعف الثقافة المصرفية لدى بعض شرائح المجتمع، الأمر الذي يحد من قدرة المصارف على تنفيذ برامج الشمول المالي أو نشر الوعي المالي. كما أن غياب التشريعات الواضحة المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية في بعض الدول يجعل مساهمة المصارف تعتمد على المبادرات الفردية بدلاً من وجود استراتيجيات مؤسسية ملزمة. ولهذا تبرز الحاجة إلى تطوير الأطر القانونية والتنظيمية التي تشجع المصارف على تبني سياسات اجتماعية أكثر فاعلية.
ورغم تلك التحديات، فإن العلاقة بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية ليست علاقة تناقض بالضرورة، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل. فالمصرف الذي يتمتع بسمعة جيدة وثقة مجتمعية واسعة يكون أكثر قدرة على جذب العملاء والمستثمرين وتحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل. كما أن الاستثمار في المجتمع ينعكس إيجابياً على البيئة الاقتصادية التي يعمل فيها المصرف، وبالتالي يسهم في زيادة فرص النمو والربحية المستقبلية.
وقد أثبتت العديد من التجارب الدولية أن المصارف التي تتبنى استراتيجيات واضحة للمسؤولية الاجتماعية تحقق نجاحاً مستداماً يفوق المؤسسات التي تركز فقط على الأرباح السريعة. فدعم التعليم والصحة وتمويل المشاريع الصغيرة يسهم في خلق مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على الإنتاج، مما ينعكس على توسع النشاط الاقتصادي وزيادة الطلب على الخدمات المصرفية. وبالتالي فإن المسؤولية الاجتماعية يمكن أن تتحول إلى استثمار طويل الأمد يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه.
كما أن التطور التكنولوجي أسهم في تعزيز قدرة المصارف الأهلية على الجمع بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية، من خلال الخدمات المصرفية الرقمية التي خفضت التكاليف وسهلت وصول الخدمات إلى مناطق وفئات جديدة. فالتطبيقات الإلكترونية والتحويلات الرقمية والخدمات المصرفية عبر الهواتف الذكية أصبحت أدوات فعالة لتحقيق الشمول المالي وتقديم خدمات سريعة وآمنة للعملاء، وفي الوقت نفسه زيادة كفاءة المصارف وتحقيق أرباح أكبر.
وفي العراق والعديد من الدول النامية، تواجه المصارف الأهلية مسؤولية مضاعفة بسبب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات، مثل البطالة وضعف البنية التحتية وارتفاع معدلات الفقر. ولذلك فإن دور المصارف لا ينبغي أن يقتصر على تحقيق المكاسب المالية، بل يجب أن يمتد إلى دعم التنمية المحلية وتمويل المشاريع الصغيرة والمبادرات الشبابية والمساهمة في إعادة الإعمار وتحسين الخدمات المجتمعية.
إن نجاح المصارف الأهلية في أداء دورها الاجتماعي يتطلب وجود رؤية استراتيجية واضحة تقوم على دمج المسؤولية الاجتماعية في الخطط والسياسات المصرفية، بدلاً من التعامل معها بوصفها نشاطاً دعائياً أو موسمياً. كما ينبغي أن يتم تقييم أثر المبادرات الاجتماعية بصورة علمية لقياس مدى مساهمتها في تحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي. ويجب أيضاً تعزيز التعاون بين المصارف والحكومات ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وتبرز أهمية العنصر البشري في تحقيق التوازن بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية، لأن العاملين في المصارف يمثلون الواجهة الحقيقية للمؤسسة. فكلما ارتفع مستوى التدريب والوعي المهني والأخلاقي لدى الموظفين، ازدادت قدرة المصرف على تقديم خدمات عالية الجودة تراعي احتياجات العملاء وتحافظ على الثقة المتبادلة. كما أن الاهتمام بحقوق العاملين وتحسين بيئة العمل يدخل ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية الداخلية للمصرف.
إن المستقبل المصرفي العالمي يتجه بصورة متزايدة نحو ربط النجاح المالي بالالتزام الاجتماعي والبيئي، خاصة في ظل تنامي الوعي العالمي بقضايا التنمية المستدامة والتغير المناخي والعدالة الاقتصادية. ولذلك فإن المصارف الأهلية التي تتجاهل هذه التحولات قد تجد نفسها معزولة عن الأسواق العالمية ومعايير الاستثمار الحديثة. أما المصارف التي تنجح في الجمع بين الكفاءة المالية والالتزام الاجتماعي فستكون أكثر قدرة على الاستمرار والتوسع.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن المصارف الأهلية لم تعد مؤسسات مالية تقليدية تهدف فقط إلى تحقيق الأرباح، بل أصبحت مؤسسات تنموية تتحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية وإنسانية واسعة. فالتوازن بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية يمثل أحد أهم معايير نجاح المصارف الحديثة، لأنه يجمع بين الاستقرار المالي وخدمة المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة. وكلما استطاعت المصارف بناء هذا التوازن بصورة سليمة، ازدادت قدرتها على تعزيز الثقة والاستقرار والمساهمة في بناء اقتصاد قوي ومجتمع أكثر عدالة واستقراراً.