الكيانات السياسية ودولة المواطنة

د. توفيق رفيق آلتونچي

جميع الأوطان على الثرى سكنها شعوب وأقوام حملت عقائد مختلفة وتغيرت عبر الزمن منهم من لا يزالون يسكنون على ارض أجدادهم ومنهم من اختفوا تماما من وجه الأرض كنتيجة للحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية والهجرات. اختلاط الأجناس البشرية نتيجة لحوار حضاري سلمي أدى إلى تحسين نسل الأجيال بينما اختفى من الوجود العديد من الأقوام المنغلقة كنتيجة مباشرة لعدم تجديدها لدمائها وتعرضها للعديد من الأمراض والأوبئة ومشاكل عقلية ونفسية. معظم علماء الأرض ومفكريه هم من نسل تزاوج الأجناس المختلفة في حوار حضاري إنساني حصل واستمر لمئات السنين بين الأمم.

هذا ما سار عليه كتقليد جميع عائلات الملكية الحاكمة وإلقاء نظرة تاريخية إلى حكام وملوك وسلاطين العالم نجد تركيبة عائلاتهم الثقافية والقومية المختلطة. تاريخيا تزوج معظم الملوك من ابناء شعوب من غير شعوبهمً لتمتين الروابط من ناحية ومن ناحية اخرى لإحلال السلام بين تلك الشعوب هذا نجده في ملوك الحضارات القديمة في الشرق وفي الغرب وحتى خلفاء وسلاطين العصور الإسلامية المختلفة كانوا معظم من أبناء أمهاتهم من قوميات وعقائد مختلفة. طبعا لان الملك كان يعتبر نفسك اب الشعب والأب لا يتزوج من أبناءه. ولا ريب ان هناك استثناءات كما في العائلة الملكية الإسبانية حيث عانت العائلة المالكة، وخاصة خلال فترة حكم أسرة هابسبورغ، من مشاكل صحية ناتجة بشكل رئيسي عن زواج الأقارب.

لكن العصر الحديث جلب معه فكرة القومية والصفاء العرقي مهده كان ألمانيا حيث كانت حركة القومية الاشتراكية الألمانية (National Socialist Germany) المعروف تحت اسم النازية وعند العرب تحولت إلى حركة قومية عربية اشتراكية (البعث) وحركة قومية ناصرية وعند الأتراك الحركة الطورانية وبتسميات اخرى عند الشعوب اخرى وكلها ذو فكر قومي سلبي وسياسة واحد مشتركةً ونسخه سيئة مطابقة للنازية الألمانية والفاشية الإيطالية حين تتبوأ السلطة. وبدا بذلك عصر الحروب والصراعات والانقسامات ولحد يومنا هذا.

لا ريب ان جميع الشعوب تفتخر بماضيه وبالشخصيات التاريخية وكل من قدمه من خدمات للإنسانية. لكن فكرة التعالي على الشعوب الأخرى خطيرة وتؤدي إلى التفرقة والعداء.

التنوع الثقفي أغناء للمجتمعات الإنسانية

المواطنة والكيانات السياسية:

الكيانات الوطنية الحديثة تؤمن بالمواطنة وتعتبر الدولة التي تعيش على أراضيها الناس مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. بينما حكومات المنتخبة وبرلمان تلك الدول تعكس التركيبة السكانية لذلك الكيان السياسي. اما الحكومة فتعتبر الممثلة للقوى السياسية الأكثر قبولا من الشعب كنتيجة للبرنامج الانتخابي الذي يطرحه الأحزاب السياسية ابان الانتخابات النيابية. وحال فوزها وتشكيلها الحكومة تمثل مجموع الشعب وليس فقط الحزب او القومية التي تمثلها. وإلا تكون الحكومة ممثلة لجزء من ابناء الشعب وتهمل الأجزاء الأخرى من مواطنيها لسبب بسيط لانهم ليسوا من قوميتهم او يحملون أفكارا سياسية مختلفة او معارضة.

كيف يبدو لرئيس دولة يمثل فقط قومه في وطن تعددي القوميات والعقائد؟ كيف يحترم شعب وزيرا يتحدث فقط باسم قومه، او فقط باسم طائفة او حزب؟ وكيف يحترم حكومة تقدم الخدمات منحصرا بقومية واحدة وتهمل المواطنين من ثقافات وعقائد مختلفة؟

هذه أسئلة مهمة في دولة المواطنة وتكوين الكيانات السياسية في المجتمعات ذو التعددية الثقافية. وخاصة في سن بنود دستور البلاد وسن قوانينها المرعية. كل ما هو رسمي ويطبق على جميع المواطنين ويعتبر هوية الدولة يجب ان يعكس تركيب الشعب ولا يجوز ان تكون الأعلام والشعارات والنشيد والسلام الوطني تعكس تكوين وأمال جزء من مواطنيه او فقط حزبا معينا حتى لو كانوا الأكثرية في تلك الدولة من قومية وإلا كيف ينادي طفل كل صباح بانه ينتمي إلى الأمة العربية وينشد نشيدا غريبا عن قومه ولا حتى بلغته ولا يعني له شيئا كلماته. كما كان في عهد البعث البائد حيث كان الوطن يعني (الوطن العربي) والشعب كانوا فقط من هم ( العرب ) في وطن تعددي قومي كالعراق. بذلك اجبر جميع قوميات الشعب العراقي بترديد نشيد عربي: ”

((شعبنا الجبار زهو وانطلاق و قلاع العز يبنيها الرفاق دمت للعرب ملاذا يا عراق و شموسا تجعل الليل صباحا))
مقارنة مع ما ورد في النشيد الاستقلال التركي: ”

((من منا لهذا الوطنِ الجنةِ لا يقدمُ نفسا ؟ تفيضُ الأرضُ بالشهداءِ لو لمستَها لمسا ! بروحي وحبي وملكي للهِ طبتُ نفسا، إلا الوطنَ لا أستطيعُ دونَه العيشَ أنسا)) .

كلمات النشيد الاول نراه يتحدث عن “الرفاق ” Tovarishch (товарищ) وهو مصطلح من اللغة الروسية استخدمه لأعضائه حزب البعث وكانت تستخدم في معظم الدول الاشتراكية. ويذكر العراق ملاذا للعرب. ان إعلاء شأن قوم على الآخرين تفرقة عنصرية فلكل شعوب العالم لهم صفحات ناصعة وأخرى سوداء في تاريخهم. لكن مجرد إعلاء شأن قوم وأبطالهم العظام هو في واقع الأمر حديث عن مجرمون قاموا بأبشع المجاز لشعوب اخرى ويعتبرون دوما عند الشعوب الأخرى طغاة ومجرمون ظالمون. نماذج تلك الشخصيات التاريخية من الطغاة مليئة في كتب التاريخ.

حقوق المواطن وحق تقرير المصير:

الشعوب لا يتم تقيمهم كمواطن بدرجات مختلفة في الكيانات الوطنية الديمقراطية وحسب تعدادهم السكاني او تقسيم يشمل الأقلية والأكثرية فربما ذلك الأقلية له تاريخ أقدم من الأكثرية والتي ربما جاءت كذلكً غازية ومحتلة لتلك البلاد. انظر مثلا إلى تواجد الترك في منطقة الشرق الأوسط مثلا فتجد بانهم قدموا عشائر مهاجرين من أواسط اسيا قبل الف عام ونيف وهم الان الأكثرية الحاكمة في حين كان هناك شعوب قبلهم في المنطقة من أرمن، كورد، سريان، روم، يونانيين، روس، لاظ، بلغار ورومان وشعوب اخرى كثيرة. وإلقاء نظرة إلى ألآثار القديمة من مدن ومعابد وتماثيل الشعوب والحضارات القديمة في تلك الدول لكافي لمعرفة الحقيقة وعدم أدانه احد لمجرد انتماءه القومي او العقائدي.

المواطنة حق طبيعي للمواطن وليست منه او بطاقة تعريفية بلاستيكية تمنحها الدولة لهم. الشعب العراقي عانى من التفرقة فيما بين مواطنيه منذ تأسيس المملكة العراقية وكانت من نتائجها الماسيّ التي تعرضت اليها شعوبها من تهجير وتهميش وقتل ودمار لآلاف الكورد الفيلين. بدأ مع تأسيس المملكة العراقية كانت هناك انتماءين في المجتمع هؤلاء من يحملون جنسية عراقية كتب فيها بان أصولهم تعود إلى الدولة العثمانية (تبعية) والآخرون من التبعية الإيرانية. ثم جاءت الدولة القومية عن طريق المغامرين من العسكر لتضيف إلى الانقسام الف انقسام واشتد الصراع بين القوميات المكونة للشعب العراقي.

إلا ان اكبر تغير إيجابي تاريخي ولو على الورق جاء مع بيان الحادي عشر من آذار عام ١٩٧٠ بالاعتراف بحقوق جميع القوميات والعقائد التي تتألف منه النسيج السكاني للعراق. لكن تلك الاتفاقية التاريخية بقت خبرا على ورق ولم تنفذ بنودها إلا صوريا بعد مرور أربع سنوات. وكان تعين حدود كوردستان الحجر الأساسي للصراع المسلح حيث دك جبال كوردستان بجميع أنواع الأسلحة وتنازل العراق بالشريط الحدودي من أراضيه مع ايران ابان حكم الشاه في اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ . أعدم العشرات من شباب الكورد لمجرد كتابتهم كلمة كوردستان على الحائط او وجدوا قصاصة ورق في جيبة كتب عليها تلك الكلمات في حين كان الدستور ينص بتسمية المنطقة ب كوردستان في احد بنودها.

لا ريب ان هناك العديدين ولحد يومنا هذا ينعتون الاقليم ب “شمال العراق” ومن نظرة عنصرية قومية بحته في حين ان في واقع الأمر جغرافيا مصطلح “شمال العراق ” نعني به جمهورية تركيا كما ان ايران شرق العراق. كل الحكومات المتعاقبة بعد تأسيس الدولة العراقية وحتى حكومات ما بعد سقوط النظام البعثي واحتلال قوات التحالف للعراق لم تغير سياستها نحو الإقليم ولم يتم تخطيط واقعي لحدود الإقليم ولم تطبق حتى الدستور (المادة الدستورية ١٤٠ وملحقاتها) فيما بخص تسوية عادلة تلك المناطق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم التي تم تسميتها مناطق متنازع عليها خارج الاقليم. الواقع الحالي للإقليم هي نفسها كحدود ما خطه حزب البعث نهاية عام ١٩٧٤ مع الإجراءات الإدارية التي غيرت الحدود الإدارية في المحافظات؛ كركوك و ديالى وصلاح الدين وبذلك تم عملية تعريب منهجية للمنطقة وتعرض ساكنيها إلى عمليات الأنفال وهدم القرى وتهجيرهم ودفنهم في مقابر جماعية أحياء ولا تزال آثارها السلبية لحد اليوم.

اليوم تنتهي حدود الإقليم في ضواحي العاصمة أربيل في الجزء الشمالي من مدينة التون كوبري وشمال مدينة كركوك.

الخاتمة

العالم في تغير مستمر ومع انحسار الفكر القومي السلبي الذي نخر المجتمعات الشرقية وفرق بينها كنتيجة مباشرة لسياسة الحلفاء في الحرب العالمية الاولى نرى النور في نهاية النفق المظلم الذي دخل فيه شعوب المنطقة. تلك الشعوب إلى دولة مواطنة وفي حاجة ماسة إلى السلام والوئام في المجتمع لبناء المستقبل. التغيرات التي جاءت به الحروب والنزاعات في المنطقة نخرت تركيب مجتمعاتها.

المواطنة الحق، هو الانتماء إلى جغرافية سياسية معينة، الوطن وليس لقومية معينة. الحكومات ورجال الدولة عليهم ان يعكسوا هذه المواطنة في سلوكهم وفي جميع مؤسسات الدولة ومرافقها بدأ من رئيس البلاد والوزير الى الموظف الحكومي فهم جميعا يمثلون الكل وليس لجزء او طائفة من أبناء الشعب او قومهم وطائفتهم. أخيرا يبقى الدستور هو الحد الفاصل بين الدولةً الاتحادية والأقاليم وعلى الدولةً الوطنيةً وجميع مؤسساتها السير بنهجها وتطبيق بنودها وعدم الإخلال بالهيكل العام للكيان السياسي والمواطنةً حق للجميع وعدم التمييز ضد الأشخاص على أساس الجنس، أو لون البشرة، أو الأصل القومي أو العرقي، أو الانتماء اللغوي الثقافي أو الديني الطائفي.

إشارات:

إقليم كوردستان واحة التعايش، حوار الأديان، تقبل الاخر المختلف و التسامح الديني

بيان 11 آذار/ مارس 1970 والوثائق المتعلقة به حتى 11 آذار 1974


https://usercontent.one/wp/www.somerian-slates.com/wp-content/uploads/2026/02/NIHAD-TAYSEER-Legal-Bulletin-005-2026.pdf

شعب كوردستان والنموذج السويسري

بيان 11 آذار/ مارس 1970 والوثائق المتعلقة به حتى 11 آذار 1974 – جريدة الصباح الجديد
نص البيان أجرى مجلس قيادة الثورة اتصالا بينه وبين قيادة السيد مصطفى البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي

قد يعجبك ايضا