خيري بوزاني
كنت أظن في البداية أن ما يحدث مجرد نوبة ترند عابرة، واحدة من تلك الأشياء التي يبتلعها (تيك توك) صباحا ثم يبصقها مساء. مقطع راقص، كلمات لا يفهمها أغلب الناس، وإيقاع سريع يصلح لثلاثين ثانية من الضحك أو الاستعراض. لكن لاحقا… لا، دعني أكون أدق، بعد أيام من سماع “كورمانجى ههره گولئ” في كل مكان، أدركت أن الأمر أعمق قليلا.
تخيل المشهد. فتاة ألمانية ترقص بحماس على أغنية لا تعرف منها سوى جملة واحدة. شاب في البرازيل يرفع صوتها داخل سيارته وكأنه اكتشف كنزا موسيقيا من جبال مجهولة. مراهق عربي يكتب تحت الفيديو: “واو… الأغنية التركية رهيبة”. تركية؟ حسنا، هنا تبدأ الكوميديا السوداء الصغيرة. العالم كله يرقص، لكن لا أحد تقريبا يسأل: ما هذه اللغة أصلا؟ من أين جاءت؟ ومن هؤلاء الناس الذين ظلوا لعقود يغنون بلغتهم وكأنهم يخفون جمرة تحت الرماد؟
بصراحة، هذا يشبه أن يقع الناس في حب عطر قديم دون أن يعرفوا اسم صاحبه.
“كورمانجى ههره گولئ” لم تدخل المنصات الرقمية مثل أغاني البوب اللامعة التي تبدو كأنها خرجت من مصنع بلاستيكي في لوس أنجلوس. لا. جاءت بثيابها الريفية، بخدوشها الصغيرة، بصوتها الذي لا يحاول أن يكون مثاليا. وربما لهذا السبب نجحت. الناس تعبت. تعبت من الأغاني التي تبدو كإعلانات شامبو طويلة. كل شيء فيها مرتب أكثر من اللازم، نظيف أكثر من اللازم، بارد أكثر من اللازم. بينما هذه الأغنية… فيها شيء غير مطيع. شيء يشبه التراب بعد المطر.
وأنا أكتب الآن، بالمناسبة، فنجان القهوة بجانبي برد تماما.. ولكن لا عليك، فغالبا ما تبرد وانا أتصفح السوشيال ميديا. لا أعرف لماذا تذكرت فجأة أعراس القرى القديمة، حين كانت الموسيقى تخرج من سماعات مشوشة قليلا، ومع ذلك كانت تجعل الناس يرقصون حتى الفجر. ربما لأن “كورمانجى ههره گولئ” تحمل هذا الإحساس نفسه. ليست أغنية تستعرض عضلاتها التقنية، بل أغنية تدخل إليك من الباب الخلفي، بهدوء، ثم تكتشف لاحقا أنها استقرت في رأسك طوال اليوم.
الغريب أن الموسيقى الكردية تملك دائما هذا التناقض الحاد… ترقص وهي تبكي. تبتسم وفي عينها غيمة صغيرة. هناك حزن قديم يتحرك تحت الإيقاع مثل ماء مخفي تحت الثلج. حتى الدبكات الكردية نفسها تبدو أحيانا كأنها مقاومة جماعية ضد الانكسار. القدم تضرب الأرض بقوة – كدبكة الشيخاني مثلا – لكن القلب في مكان آخر تماما.
ثم جاء (تيك توك)، هذا الوحش الذي لا يهتم بالهويات ولا بالتاريخ ولا حتى بالحقيقة أحيانا، وأخذ الأغنية وحولها إلى موجة عالمية. فجأة صار الجميع يحفظ “كورمانجى ههره گولئ” لكن دون أن يعرفوا شيئا عن الكورمانجية نفسها. لغة عاشت طويلا بين المنع والمنفى والإنكار. أليس هذا غريبا؟ العالم أخذ الصوت وترك القصة خلفه، مثل سائح يلتقط صورة مع شيخ عجوز ثم يرحل دون أن يسمع حكايته.
لكن لحظة من فضلك… ربما أكون قاسيا قليلا.
لأن ما حدث، رغم كل شيء، يشبه انتصارا صغيرا أيضا. الفولكلور الكردي الذي ظل سنوات طويلة محاصرا بين السياسة والجغرافيا والحدود العسكرية، استطاع أخيرا أن يتسلل إلى العالم عبر الموسيقى. لا عبر نشرات الأخبار ولا المؤتمرات ولا خطابات القادة المتجهمة. فقط عبر لحن راقص. وهذا وحده يحمل مفارقة جميلة ومؤلمة في الوقت نفسه. وهذا ما نحتاجه اليوم على ما أعتقد.
المفارقة الأكثر سخرية؟ أن هناك كلاما كثيرا عن أن الأغنية نفسها ربما انتتجت أو ساعد في إنتاجها الذكاء الاصطناعي. تخيل… شعب ظل يقاتل عقودا حتى يحافظ على لغته وتراثه، ثم تأتي خوارزمية لتصبح بوابة انتشاره العالمي. هل هذا انتصار للتراث أم بداية لنسخة رقمية مخففة منه؟ لا أعرف. بصراحة لا أملك جوابا واضحا. وإذا كنت تعرف الجواب “أكتب لنا بالتعليقات”.
أحيانا أشعر أن العالم الحديث مثل سوق ضخم جدا، كل شيء فيه قابل للاستهلاك السريع: الموسيقى، اللهجات، حتى الحنين نفسه. ومع ذلك، وسط هذا الضجيج كله، استطاعت أغنية كردية خارجة من ذاكرة جبال كردستان أن تجعل ملايين الناس يتوقفون للحظة ويرقصون.