“لا تخُتزلُ حقوقُ شعبٍ بالمصالح الضيقة”

محمد صالح شلال

تُعدّ القضية الكوردية في سوريا واحدة من أكثر القضايا الوطنية تعقيداً وحساسية في تاريخ الدولة السورية الحديثة، لأنها لا تتعلق فقط بمطالب خدمية أو إدارية أو تمثيل سياسي محدود، بل ترتبط بمسألة شعبٍ له هوية قومية ولغة وثقافة وتاريخ وجغرافيا، عاش على أرضه التاريخية قبل نشوء الدولة السورية بصيغتها الحالية. ومن هنا فإن اختزال القضية الكوردية في إطار “الدمج الإداري” أو “المشاركة الشكلية” داخل مؤسسات السلطة المؤقتة، يُعتبر تجاهلاً لجوهر القضية وحقوق الشعب الكوردي المشروعة.
إن الكورد في سوريا لم يكونوا جالية طارئة أو مجموعة مهاجرة حديثة، بل هم جزء أصيل من النسيج التاريخي لمنطقة كوردستان التي قُسّمت عقب الحرب العالمية الأولى نتيجة الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس ـ بيكو، التي أعادت رسم خرائط المنطقة وفق مصالح القوى المنتصرة، دون مراعاة لإرادة الشعوب أو حقوقها القومية. وكنتيجة لذلك، أُلحقت أجزاء واسعة من كوردستان بالدولة السورية الناشئة، ليصبح الكورد أحد المكونات الرئيسية فيها.
ومنذ تأسيس الدولة السورية، واجه الشعب الكوردي سياسات متعددة هدفت إلى تهميش هويته القومية، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي عام 1962، مروراً بمشروع الحزام العربي، ووصولاً إلى منع اللغة الكوردية والتضييق على النشاط السياسي والثقافي الكوردي. هذه السياسات لم تُنتج اندماجاً وطنياً حقيقياً، بل عمّقت الشعور بالغبن والإقصاء.
اليوم، ومع التحولات السياسية التي تشهدها سوريا، تبرز فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والشعب الكوردي على أساس الشراكة الحقيقية والاعتراف الدستوري المتبادل. ولذلك فإن أي عملية تفاوض أو دمج بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة المؤقتة في دمشق يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتذويب الحقوق القومية الكوردية أو الالتفاف عليها تحت شعارات فضفاضة مثل “الوحدة الوطنية” أو “الاندماج الإداري”.
إن القضية الكوردية ليست قضية مناصب أو مقاعد برلمانية، بل قضية حقوق دستورية وسياسية وثقافية واضحة، ومن أبرزها:
الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي كقومية رئيسية في سوريا.
ضمان حق التعليم باللغة الكوردية وممارسة الثقافة الكوردية بحرية.
اعتماد نظام سياسي ديمقراطي لا مركزي يضمن إدارة المناطق الكوردية لشؤونها ضمن وحدة سوريا.
مشاركة الكورد كشركاء حقيقيين في مؤسسات الدولة، لا كأقلية هامشية.
حماية الحقوق السياسية وعدم العودة إلى سياسات الإقصاء والتعريب السابقة.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق المجلس الوطني الكوردي مسؤولية تاريخية كبيرة، باعتباره أحد الأطر السياسية التي تمثل شريحة واسعة من الشعب الكوردي. فالمطلوب منه اليوم ألا يكتفي بالمواقف العامة أو التفاهمات المرحلية، بل أن يعمل بشكل واضح ومباشر على تثبيت الحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن أي عملية سياسية قادمة، وخاصة في الدستور السوري الجديد المزمع صياغته.
كما أن على المجلس الوطني الكوردي أن يتحرك بشكل سريع وجاد لوضع ملف المظالم التاريخية التي تعرض لها الشعب الكوردي أمام السلطة المؤقتة والجهات الدولية المعنية، عبر طرح جميع السياسات والإجراءات العنصرية والشوفينية التي طُبّقت بحقه على مدى عقود، والعمل على معالجتها قانونياً وسياسياً ضمن أي تسوية مستقبلية في سوريا. فالقضية الكوردية لا يمكن اختزالها بالمشاركة الشكلية في مؤسسات الدولة، بل تتطلب اعترافاً واضحاً بحجم الانتهاكات التي مورست بحق الشعب الكوردي، والسعي لإزالة آثارها بشكل كامل.
ويشمل ذلك المطالبة بإلغاء جميع القوانين والمراسيم والسياسات الاستثنائية التي استهدفت الوجود القومي الكوردي، وفي مقدمتها نتائج الإحصاء الاستثنائي، ومشروع الحزام العربي، وسياسات التعريب والتغيير الديمغرافي، إضافة إلى القيود التي فُرضت على اللغة والثقافة والهوية الكوردية. كما يجب العمل على إعادة الحقوق إلى أصحابها وتعويض المتضررين، وتصحيح الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عن تلك السياسات التمييزية.
ومن الضروري أيضاً أن يطالب المجلس بتثبيت ضمانات دستورية واضحة تمنع تكرار أي ممارسات إقصائية أو عنصرية مستقبلاً، بحيث تقوم الدولة السورية الجديدة على مبدأ الشراكة الحقيقية والاعتراف المتبادل بين جميع مكوناتها القومية والوطنية، بعيداً عن عقلية الإنكار والتهميش التي ساهمت في تعميق الأزمات والانقسامات داخل البلاد.
كما ينبغي على القوى الكوردية بمختلف توجهاتها أن تتجاوز الانقسامات الداخلية، لأن اللحظات التأسيسية في تاريخ الشعوب تتطلب وحدة موقف ورؤية استراتيجية موحدة. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الحقوق القومية لا تُمنح كترضيات سياسية مؤقتة، بل تُنتزع عبر العمل السياسي المنظم، ووحدة الصف، والقدرة على فرض الحضور في المعادلات الوطنية والدولية.
وفي المقابل، فإن الاعتراف بالحقوق الكوردية لا يجب أن يُفهم على أنه تهديد لوحدة سوريا، بل يمكن أن يشكل أساساً لبناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على مبدأ الشراكة بين جميع مكوناتها: العرب والكورد والسريان والآشوريين والتركمان وغيرهم. فالدولة التي تعترف بتنوعها وتحترم حقوق جميع شعوبها تكون أكثر استقراراً وعدالة من دولة تقوم على الإنكار والإقصاء.
لذلك، فإن المرحلة القادمة ستكون مفصلية بالنسبة للقضية الكوردية في سوريا. فإذا تم تثبيت الحقوق القومية والدستورية بشكل واضح، فقد يُفتح الباب أمام حل تاريخي عادل. أما إذا جرى الالتفاف على هذه الحقوق تحت عناوين مؤقتة أو تفاهمات أمنية وسياسية ضيقة، فإن جذور الأزمة ستبقى قائمة، لأن القضايا القومية لا تُحل بالتجاهل، بل بالاعتراف والعدالة والشراكة الحقيقية.

قد يعجبك ايضا