حين يتحوّل الذهب من زينة إلى أداة ضغط اجتماعي على النساء.

نجاح هيفو

في الآونة الأخيرة، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من الصور ومقاطع الفيديو التي تُظهر عرائس مغطّيات بكميات هائلة من الذهب؛ قلائد متراكمة، أساور تصل إلى المرفقين، تيجان ضخمة، وأحيانًا مشاهد تبدو أقرب إلى “استعراض ثروة” منها إلى احتفال بزواج. هذه الصور التي تنتشر بسرعة على منصات مثل Facebook وInstagram وTikTok لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد “اختيارات شخصية” أو “عادات اجتماعية”، بل هي ظاهرة تستحق قراءة مجتمعية عميقة، لأنها في جوهرها تمارس شكلاً جديدًا من العنف الرمزي والاقتصادي ضد النساء.

بصفتي مستشارة مجتمعية، أرى أن هذه الظاهرة ليست مرتبطة بالذهب بحد ذاته، فالذهب في ثقافات عديدة كان رمزًا للادخار أو الأمان الاقتصادي للمرأة، خصوصًا في المجتمعات التي حُرمت فيها النساء من الميراث أو من الاستقلال المالي. لكن ما نشهده اليوم مختلف تمامًا؛ نحن أمام تحويل الزواج إلى ساحة منافسة اجتماعية قاسية، تُقاس فيها قيمة العروس بوزن الذهب الذي ترتديه، لا بشخصيتها أو تعليمها أو أحلامها أو قدرتها على بناء حياة صحية.

في كثير من الحالات، لا يكون القرار بيد العروس أصلًا. تتعرض الفتاة لضغط مباشر أو غير مباشر من الأسرة، ومن المجتمع المحيط، ومن المقارنات المستمرة: “ابنة فلان ارتدت أكثر”، “عرس فلانة كان أفخم”، “يجب أن نحافظ على سمعة العائلة”. وهكذا تصبح المرأة جسدًا يُعلّق عليه الذهب لإرسال رسالة اجتماعية مفادها: “نحن قادرون”، حتى لو كانت الأسرة غارقة في الديون أو الضغوط المالية.

الأخطر أن هذا الاستعراض يخلق عنفًا نفسيًا عميقًا ضد نساء أخريات لا يملكن القدرة الاقتصادية على مجاراة هذه المعايير المصطنعة. فتيات كثيرات يشاهدن هذه الصور ويشعرن بأن زواجهن سيكون “ناقصًا” إن لم يحصلن على الكمية ذاتها من الذهب. بعض العائلات تؤجل زواج بناتها سنوات بسبب التكاليف المبالغ فيها، وبعض النساء يدخلن حياتهن الزوجية مثقلات بشعور الذنب لأنهن لم يحققن “المشهد المثالي” الذي فرضته وسائل التواصل.

نحن هنا أمام نموذج واضح لما يسميه علماء الاجتماع “العنف الرمزي”، وهو عنف لا يستخدم الضرب أو الإهانة المباشرة، لكنه يفرض معايير مرهقة وغير عادلة تجعل المرأة رهينة لصورة اجتماعية قاسية. كما أن هذه الظاهرة تعيد إنتاج فكرة خطيرة جدًا: أن المرأة ما تزال “واجهة” لسمعة العائلة، وأن قيمتها ترتبط بما يُقدّم لها ماديًا، وليس بما تملكه من إنسانية واستقلال ووعي.

وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا خطيرًا في تضخيم الظاهرة. فكلما كانت الصورة أكثر مبالغة، حصلت على مشاهدات أعلى وتعليقات أكثر، فتتحول المناسبات الخاصة إلى محتوى استهلاكي هدفه إثارة الانبهار أو الغيرة أو الجدل. وهنا يتم تسليع المرأة مرة أخرى، إذ تصبح العروس أداة لصناعة المحتوى وليس إنسانة تعيش لحظة شخصية.

من منظور مجتمعي، نحن بحاجة إلى خطاب جديد يعيد تعريف الزواج باعتباره شراكة إنسانية لا صفقة استعراضية. نحتاج إلى أسر تمتلك الشجاعة لرفض هذه الضغوط، وإلى نساء يرفضن قياس قيمتهن بالذهب، وإلى رجال يدركون أن بناء بيت مستقر أهم من شراء مشهد مؤقت للكاميرا.

الكرامة لا تُقاس بالغرامات، والسعادة الزوجية لا تُوزن بالمجوهرات. والمجتمع الذي يحمّل النساء عبء المظاهر هو مجتمع يساهم في استنزافهن نفسيًا واقتصاديًا، ثم يتساءل لاحقًا لماذا ترتفع معدلات القلق والديون والتفكك الاجتماعي.

المرأة ليست واجهة ذهبية للعائلة. المرأة إنسان كامل، ومن حقها أن تبدأ حياتها دون أثقالٍ تُلبس باسم الفرح، بينما تخفي في جوهرها شكلًا صامتًا من أشكال القهر الاجتماعي.

قد يعجبك ايضا