ذياب مهدي ال غلام……
يا رفيقة العمر والكلمة، ويا من يجلس في “فارغون” الحلم ممسكةً بتذكرة لا تنتهي صلاحيتها أبداً..
يقولون إن القطارات تصل دائماً إلى محطتها الأخيرة، لكن قطاركِ يا سلوى يمتلك سراً لا يعرفه غير المبدعين؛ إنه لا ينزل للأسفل، بل يرتفع كلما مرّت السنوات ليصبح مساراً سماوياً، يمرُّ فوق الغيوم، حيث الأشجار ظلالٌ ممتدة من الذاكرة، والسككُ خيوطٌ من ضوء لا ينطفئ.
من بعقوبة.. حيث بدأ العزف
في عيد ميلادكِ هذا، دعينا “لا نكترث بالأرقام”، فهي مجرد محطات صغيرة على جانب الطريق. لنتأمل تلك الطفلة التي ولدت في حضن الطمأنينة، هناك في بعقوبة، حيث كانت “الجيلات” (طلقات التحذير) تعزف إيقاعاً ريفياً يحمي الثمار ولا يقتل أحداً. كانت طفولتكِ تشبه تلك البساتين؛ خضراء، محمية بصوت أم كلثوم وعبد الوهاب المنبعث من راديو قديم، ينسج لكِ خيالاً أوسع من حدود المدينة. هناك تعلمتِ أن “الأمان” ليس مالاً وفيراً، بل هو “توازن” الروح بين ما نحتاجه وما نحلم به.
الوزيرية وسنوات الجمر والمخمل
ثم تحرك القطار نحو بغداد، نحو الوزيرية، حيث رائحة الكتب وعطر العشاق السائرين “أزواجاً أزواجاً”. هناك، خلع القطار ثوب الطفولة، وواجهتِ العالم وحيدة، بلا حماية الأهل، لتصنعي من عثراتكِ جسراً.
كيف ننسى سليم البصون؟ ذلك الربان الذي رأى في اندفاعكِ “جوهرةً خاماً”، فصقلكِ بصبر الأنبياء لتصبحي صحفيةً لا تهادن. ثم كانت موسكو.. الثلج الذي علمكِ دفء المعرفة، والعودة إلى بغداد التي استقبلتكِ بالحب أولاً، ثم بسنوات “الجمر والصمت”.
عشرون عاماً والقطار يسير في نفق الصمت العظيم.. لم تكتبي حرفاً، لكنكِ كتبتِ بصبوركِ أعظم مقالٍ عن “العناد والمكابرة”. كنتِ تحمين قلمكِ من التلوث، وتنتظرين لحظة انقشاع الضباب.
أمنية ابن غلام: لا تنزلي يا رفيقتي
يا سلوى، يا من عبرتِ زمن “القتل على الهوية” بقلبٍ لم يعرف الكراهية، وهربتِ إلى المنافي لكي تظلي وفيةً لنفسكِ:
نحن اليوم لا نحتفل بسنواتكِ، بل نحتفل بـ “خلاصة العمر” التي تقطر جمالاً.
أمنيتي لكِ:
أن يظل قطاركِ يرتفع عالياً في سماء الشوق. لا تنزلي في أي محطة أخيرة، فالحقائب التي نحملها —أوراقنا، ذكرياتنا، وقصصنا— هي التي تمنحنا الخلود. الأشجار التي زرعتِها بكلماتكِ صارت الآن غابةً من الظلال يستريح فيها المتعبون.
استمري في النظر من النافذة، فالرحلة ما زالت “ممتعة وغنية وعاصفة”، وأنتِ ما زلتِ تلك الفتاة التي ترفض أن تكبر، لأنها تسكن في قصيدة لا تنتهي.
كل عام وأنتِ بجمالكِ، وعنفوانكِ، وسحركِ المخملي