قانون الانتخابات والنعمة المفقودة

صلاح بكر

يثير مقترح تعديل قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019 نقاشاً جوهرياً حول طبيعة الكفاءات المطلوبة لادارة العملية الانتخابية، المقترح الحالي يحتفظ بالاعتماد على القضاة من الصنف الأول، غير أن الممارسة العملية أثبتت أن هذا الاختيار يخلق تناقضات ادارية وقانونية تؤثر على فعالية المفوضية وسلامة العملية الانتخابية.

الاطار الدستوري والقانوني

وفقاً للمادة (73) من الدستور العراقي، تتمتع المفوضية باستقلالية تامة وتخضع لإشراف مجلس النواب. القانون يمنح رئيس مجلس المفوضين صلاحيات الوزير المختص فيما يتعلق بتنفيذ متطلبات العملية الانتخابية والشؤون الانتخابية. هذه الصلاحيات تتطلب خبرة عملية متخصصة في إدارة العمليات الانتخابية، وليس مجرد خلفية قانونية أو قضائية.

القضاة يرفضون قرارات القضاة

تكشف التجربة العملية للمفوضية عن تناقض جوهري في الأداء. عندما يتخذ مجلس المفوضين (المكون من قضاة الصنف الأول) قراراً إدارياً أو تنظيمياً متعلقاً بالعملية الانتخابية وخاصة في مسائل الشكاوی والطعون، قد تعترض عليه الهيئة القضائية الانتخابية (المكونة أيضاً من قضاة الصنف الأول) وترفضه. هذا يعني أن قضاة من نفس الرتبة والمستوى يختلفون حول القرارات الإدارية والفنية والاجراءات.

هذا التناقض لا ينشأ من اختلاف في التفسير القانوني، بل من غياب الخبرة الفنية المتخصصة في إدارة الانتخابات. القاضي، مهما كانت رتبته، قد لا يمتلك الخبرة العملية اللازمة لاتخاذ قرارات تتعلق بالعمليات اللوجستية، والتقنيات الانتخابية، والإجراءات الإدارية المعقدة.

الخبراء الفنيون: البديل الأمثل

الحل يكمن في استبدال معظم القضاة بخبراء فنيين متخصصين في مجالات محددة كإدارة العمليات الانتخابية، التكنولوجيا والأنظمة الحاسوبية، الإدارة العامة، والعلاقات الدولية. هؤلاء الخبراء يمتلكون خبرة عملية مباشرة في تنفيذ العمليات الانتخابية، فهماً عميقاً للتحديات اللوجستية والإجرائية، معرفة بأفضل الممارسات الدولية، والقدرة على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة في الظروف الميدانية.

الخبراء الفنيون لا يعتمدون على التفسير القانوني وحده، بل على الخبرة العملية والمعرفة المتخصصة. هذا يقلل من احتمالية التناقضات في الأداء ويرفع من كفاءة تنفيذ العملية الانتخابية.

هيكلية جديدة متوازنة

بناءً على التحليل أعلاه، نعتقد بتعديل قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات يقضي بتشكيل مجلس المفوضين من تسعة أعضاء كالآتي:

سبعة خبراء فنيين متخصصين في المجالات التالية:

– إدارة العمليات الانتخابية (خبرة لا تقل عن 10 سنوات).
– التكنولوجيا والنظم المعلومات.
– الإدارة العامة والموارد البشرية
– العلاقات الدولية والمراقبة.
– الإعلام والاتصالات.
– الأمن والسلامة.
– اللوجستيات والعمليات الميدانية.

قاضيان من الصنف الأول لضمان الاستشارة القانونية والحماية الدستورية يتم ترشيحهم من قبل مجلس القضاء الاعلی، و ممثل واحد من مجلس الدولة لضمان الاستشارة القانونية المتقدمة، مع ضمان تمثيل نسائي فعال، هذا التعديل سيضمن أن المفوضية تدار من قبل متخصصين حقيقيين في العملية الانتخابية، مع الحفاظ على الاستشارة القانونية من خلال القضاة. النتيجة ستكون عملية انتخابية أكثر كفاءة واحترافية، وتقليل التناقضات والنزاعات بين مجلس المفوضين والهيئة القضائية الانتخابية.

الخلاصة

الديمقراطية الحقيقية تتطلب ليس فقط استقلالية المؤسسات، بل كفاءة تنفيذها. المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بحاجة إلى قيادة متخصصة وخبرة عملية، مع الحفاظ على الاستشارة القانونية. الخبراء الفنيون بدعم من القضاة هم الحل الأمثل لضمان عملية انتخابية نزيهة وفعالة واحترافية.

إن الفصل بين الكفاءة الفنية والاستقلالية القانونية يمثل حلاً متوازناً يحافظ على مبادئ الديمقراطية دون التضحية بالكفاءة الإدارية. فالقضاة، رغم استقلاليتهم وحيادهم، قد لا يمتلكون الخبرة المتراكمة في إدارة العمليات الانتخابية المعقدة التي تتطلب معرفة عملية عميقة بالتحديات الميدانية والتقنيات الحديثة.

الخبراء الفنيون، من جانبهم، يأتون بخبرة عملية مباشرة وفهم عميق للعمليات الانتخابية. هم يعرفون بالتفصيل كيفية التعامل مع الأزمات الطارئة، وكيفية تنظيم العمليات اللوجستية المعقدة، وكيفية استخدام التكنولوجيا بفعالية لضمان نزاهة العملية الانتخابية. هذه الخبرة لا يمكن اكتسابها من خلال الدراسة القانونية وحدها.

علاوة على ذلك، فإن وجود قاضيين في مجلس المفوضين يضمن الاستشارة القانونية المستمرة والحماية الدستورية للقرارات المتخذة. هذا يوازن بين الحاجة للخبرة الفنية والحاجة للحماية القانونية، مما يخلق هيكلاً متكاملاً يجمع بين أفضل ما في النظامين.

نعتقد أن يتم تعديل قانون المفوضية بطريقة تعترف بأهمية الخبرة الفنية المتخصصة، بينما تحافظ على دور القضاء في ضمان الاستقلالية والحماية القانونية. هذا التعديل سيرفع من مستوى أداء المفوضية، ويقلل من التناقضات والنزاعات، ويضمن ان العملية الانتخابية تدار بكفاءة واحترافية عالية، مما ينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية وثقة المواطنين في العملية الانتخابية.

قد يعجبك ايضا