مهند محمود شوقي
منذ عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية معقدة أعادت تشكيل الدولة على أسس جديدة، لكن هذه الأسس بقيت مشدودة بين نصوص دستورية طموحة وواقع سياسي متعثر. وبين هذا التناقض، برز الكورد كأحد أهم أطراف التوازن داخل النظام العراقي الجديد، ليس فقط كقوة سياسية داخل البرلمان والحكومة، بل كشريك أساسي في إعادة تعريف فكرة الدولة نفسها بعد عقود من المركزية الصارمة.
في التجربة العراقية الحديثة، لم يكن الحضور الكوردي في بغداد تفصيلاً ثانوياً، بل جزءاً من معادلة استقرار إقليمي تتجاوز حدود العراق. فالعراق، بموقعه الجغرافي وعمقه الاستراتيجي، ظل محور توازن حساس في الشرق الأوسط، وأي خلل في داخله انعكس مباشرة على محيطه. من هنا اكتسبت الشراكة بين بغداد وأربيل بعداً يتجاوز السياسة الداخلية إلى الاعتبارات الإقليمية والدولية.
الرئيس مسعود بارزاني عبّر في أكثر من مناسبة عن هذه المعادلة حين أشار إلى أن العلاقة بين أربيل وبغداد يجب أن تقوم على قاعدة واضحة: “قوة بغداد قوة لأربيل، وقوة أربيل قوة لبغداد”، وهي رؤية تنسجم مع منطق الدول التعددية التي لا تستقر إلا عبر إدارة التوازن بين مكوناتها، لا عبر إقصاء أحدها.
في السنوات الأولى بعد 2003، ومع انهيار مؤسسات الدولة السابقة، لعبت قوات البيشمركة دوراً محورياً في ملء الفراغ الأمني في مناطق واسعة من شمال العراق. في تلك المرحلة الحرجة، كانت البيشمركة أحد عناصر الاستقرار النادرة في بلد كان يواجه انهياراً مؤسسياً واسعاً، ما ساهم في منع امتداد الفوضى إلى مناطق حساسة، بما في ذلك محيط العاصمة بغداد.
لاحقاً، ومع صعود تنظيم داعش عام 2014 وسيطرته على مساحات واسعة من العراق، تحولت البيشمركة إلى قوة أساسية في منظومة الدفاع عن البلاد، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها. وبالتنسيق مع القوات العراقية والتحالف الدولي، ساهمت في وقف تمدد التنظيم وحماية مدن ومناطق استراتيجية، في لحظة بدت فيها الدولة العراقية على حافة الانهيار. هذا الدور وضع التجربة الكوردية في سياق إقليمي ودولي أوسع ضمن الحرب العالمية على الإرهاب.
لكن الملف الكوردي في العراق لا يمكن قراءته أمنياً فقط، بل دستورياً أيضاً. فالدستور العراقي لعام 2005، الذي صيغ بمشاركة واسعة من مختلف القوى، تضمّن أكثر من خمسين مادة ذات طابع اتحادي وتنظيمي ما تزال غير مطبقة بشكل كامل. وفي مقدمة هذه المواد تأتي المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، والتي بقيت معلقة رغم كونها جزءاً أساسياً من عملية العدالة الانتقالية في العراق. كذلك بقي قانون النفط والغاز من أبرز الملفات غير المحسومة، إلى جانب قضية رواتب البيشمركة وآليات تمويلها ضمن منظومة الدفاع الوطني.
هذا التعطيل المستمر للمواد الدستورية خلق فجوة بنيوية في العلاقة بين بغداد وأربيل ، وأضعف ثقة الداخل العراقي، كما أثّر على صورة العراق في المحافل الدولية باعتباره دولة ما تزال تبحث عن تثبيت قواعدها الدستورية الأساسية بعد عقدين من التغيير.
في المقابل، حافظ الكورد على مقاربة سياسية تميل إلى الاستقرار أكثر من التصعيد، مع التأكيد الدائم على خيار الحوار. هذه المقاربة جعلت من أربيل طرفاً فاعلاً في معادلات داخلية وإقليمية معقدة، خصوصاً في ظل تداخل المصالح الدولية في العراق، من ملفات الطاقة إلى الأمن الإقليمي.
العراق اليوم يقف أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على تحويل التنوع إلى مصدر قوة بدل أن يبقى سبباً للأزمة. وفي هذا السياق، تصبح قوة التمثيل الكوردي في بغداد جزءاً من معادلة أوسع تتصل باستقرار الشرق الأوسط نفسه، حيث ترتبط استقرار العراق بتوازنات إقليمية تشمل تركيا وإيران ودول الخليج والولايات المتحدة.
من منظور دولي، لا يُنظر إلى العلاقة بين بغداد وأربيل كمسألة داخلية فقط، بل كأحد مفاتيح استقرار منطقة حساسة للطاقة والأمن العالميين. ولهذا فإن أي خلل في هذه العلاقة ينعكس على الاستقرار الإقليمي، في حين أن نجاح نموذج الشراكة يمكن أن يشكل نموذجاً لدول متعددة القوميات في المنطقة.
وهنا ، تبقى الشراكة بين الكورد وبغداد اختباراً مستمراً لمفهوم الدولة في العراق. دولة تقوم على الدستور والتوازن لا على الغلبة، وعلى الشراكة لا على الإقصاء. وفي كل مرة تتعثر فيها هذه المعادلة، تتجدد الأسئلة حول مستقبل العراق، ليس فقط كدولة داخل حدودها، بل كجزء من نظام إقليمي ودولي أكثر اتساعاً وتعقيداً.