الصورة كسلاح وتحوّلات الإعلام الحربي في عصر الدرونات

محمد منصور

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالرصاص والصواريخ فقط بل بالصورة أيضًا، فمع التطور التقني المتسارع تحوّلت الطائرات المسيّرة (الدرون) إلى أداة مزدوجة الوظيفة، سلاح عسكري من جهة، ووسيلة إعلامية عالية التأثير من جهة أخرى، ويبرز في هذا السياق نمط جديد من هذه الطائرات، وهو الدرون الموجّه بالألياف الضوئية الذي فتح فصلًا مختلفًا في العلاقة بين الحرب والإعلام .

تعتمد هذه الدرونات على اتصال سلكي عبر ألياف ضوئية بدلًا من الإشارات اللاسلكية، ما يجعلها شبه محصّنة ضد التشويش الإلكتروني، وقادرة على نقل صورة مباشرة عالية الدقة دون انقطاع، وهذه الميزة التقنية لا تعني فقط تفوقًا ميدانيًا بل تمنح أيضًا مادة بصرية “نظيفة” وقوية التأثير، جاهزة للاستخدام الإعلامي .

وهنا تتقاطع التكنولوجيا مع ما يُعرف في الدراسات الإعلامية بـ“نظرية التأطير” حيث لا تُعرض الحرب كما هي بل كما يُراد لها أن تُفهم، فلقطات الدرون لا تُنشر عشوائيًا بل تُنتقى بعناية، لحظة الإصابة، ودقة الهدف، وزاوية الانفجار، في المقابل تُغيب لقطات الفشل أو الخسائر، وهكذا تتحول الصورة من مجرد توثيق إلى أداة لصناعة رواية محددة تخدم طرفًا دون آخر .

ولعل الأخطر من ذلك هو البعد النفسي للصورة. فالمشاهد التي تُظهر استهدافًا دقيقًا من السماء تخلق لدى الخصم شعورًا دائمًا بالمراقبة والعجز، وتُضعف الثقة بقدراته الدفاعية، إنها ليست مجرد لقطات حرب بل رسائل ردع صامتة تبث الخوف دون كلمات، وهنا تصبح الصورة سلاحًا نفسيًا بامتياز .

وقد برز استخدام هذه التقنيات في النزاعات المعاصرة، وعلى نحوٍ واضح في الحرب الروسية الأوكرانية حيث لجأت أطراف الصراع إلى الدرونات الموجّهة بالألياف الضوئية لتجاوز أنظمة التشويش الإلكتروني وتحقيق إصابات دقيقة، مع توثيق العمليات لحظةً بلحظة وبثّها ضمن سياق إعلامي موجّه، إن وضوح الصورة ودقتها يمنحانها سلطة كبيرة على المتلقي الذي يميل بطبيعته إلى تصديق ما يراه.

ومع غياب التشويش أو الانقطاع تزداد قوة هذه السلطة لتصبح الصورة دليلًا شبه قاطع في نظر الجمهور حتى وإن كانت جزءًا من سردية مؤطرة بعناية .

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الحروب لم تعد تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأقوى بل بمن يملك القدرة على إنتاج الصورة الأقوى وتأطيرها، فالدرون الموجّه بالألياف الضوئية لا يغيّر فقط قواعد الاشتباك بل يعيد تعريف معنى النصر نفسه من انتصار ميداني إلى انتصار بصري وإعلامي ..

في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا شريكًا في المعركة لم تعد الحقيقة تُرى كما هي بل كما تُعرض، وهنا يصبح الوعي الإعلامي ضرورة لا تقل أهمية عن أي سلاح في ساحة الحرب .

قد يعجبك ايضا