آناهيتا حمو. باريس
في مساءاتٍ بعيدة، كان مذياع والدي يبث صوت القادم من يريفان أكثر من مجرد جهازٍ يبث الأغاني الكُردية؛ كان نافذةً على وطنٍ روحيّ، وصوتاً يحفظ الذاكرة من النسيان. عند الساعة الخامسة بتوقيت قامشلو، كانت تتعالى الأغاني الكُردية من إذاعة يريفان، فتدخل البيوت الكُردية محمّلةً بالشجن والكرامة والحنين. هناك تعرّفنا على أصواتٍ خالدة مثل الفنان الكُردي الأرمني Gerebêtê Xaço، وEgîdê Cimo، وأصواتٍ أخرى حفظت الفولكلور الكُردي من الضياع في أكثر الأزمنة قسوةً وصعوبة.
لم تكن إذاعة يريفان مجرد بثٍّ موسيقي، بل كانت شكلاً من أشكال الاعتراف الإنساني بشعبٍ حاول كثيرون إسكات صوته. ولذلك بقيت أرمينيا، في الوجدان الكُردي، أكثر من جغرافيا؛ بقيت رمزاً لصداقةٍ صادقة، وذاكرةٍ مشتركة من المعاناة والصمود.
لقد التقت التجربتان الكُردية والأرمنية عند نقاطٍ إنسانية عميقة: شعبان عرفا معنى الاقتلاع، والإنكار، والبحث المستمر عن الكرامة والحرية. وربما لهذا السبب كان كثير من المثقفين والفنانين الأرمن قريبين من القضية الكُردية، ليس بدافع السياسة وحدها، بل بدافع أخلاقي وإنساني وحضاري.
ومن بين الأسماء التي لا يمكن تجاهلها، الكاتب والمفكر الفرنسي المتضامن مع القضية الكُردية Gérard Chaliand، الذي رأى في القضية الكُردية قضية شعبٍ يستحق الحياة والحرية. وكذلك الفنانون الأرمن الذين احتفوا بالموسيقى الكُردية، وحافظوا عليها كجزءٍ من التراث الإنساني المشترك.
ولا يمكن الحديث عن هذه العلاقة دون استذكار الزيارة التاريخية التي قام بها الفنان الأرمني Aram Tigran الفنان الكبير Muhammed Şêxo في قامشلو؛ تلك الزيارة التي كانت أعمق من لقاءٍ فني، بل رسالة وفاءٍ ومحبة بين شعبين جمعتهما الموسيقى والوجع والأمل. لقد غنّى آرام تيكران بالكُردية كما لو أن اللغة وُلدت في حنجرته، وأثبت أن الفن الحقيقي يتجاوز القوميات الضيقة ليصل إلى جوهر الإنسان.
وفي قامشلو، المدينة التي تعلّمت معنى التعدد والتعايش، لم تكن الصداقة الكُردية الأرمنية شعاراً عابراً، بل حياةً يومية عاشها الناس في المدارس والأسواق والأحياء الشعبية. جلس الكُرد والأرمن معاً على مقاعد الدراسة، وتقاسموا الخبز والذكريات والأحلام. ومن هنا يبقى للمعلمين والمثقفين الأرمن الذين خدموا الثقافة الكُردية مكانةٌ خاصة، ومنهم المترجم والمدرس القدير Yusuf Baris، الذي مثّل صورة المثقف المؤمن بالتقارب الإنساني والعدالة الثقافية.
إن الصداقة الحقيقية بين الشعب الكُردي والشعب الأرمني لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على الاحترام المتبادل والاعتراف المتبادل بالألم والحق في الحياة الحرة. ولهذا بقي الأرمن، في الذاكرة الكُردية، شعباً شقيقاً ومسالماً وقف إلى جانب الإنسان الكُردي في لحظاتٍ كثيرة، كما بقي الكُرد أوفياء لذاكرة الجيرة والتضامن والموقف النبيل.
وفاءً لراديو يريفان…
وفاءً للأغاني التي عبرت الحدود وحفظت اللغة والروح…
وفاءً لكل الأرمن الذين آمنوا بعدالة القضية الكُردية…
تبقى هذه العلاقة واحدةً من أجمل صور الأخوّة الإنسانية في الشرق، علاقةٌ صنعتها الثقافة والكرامة والذاكرة المشتركة، لا السياسة وحدها.
تحيةٌ كُردية عريقة للشعب الأرمني الشقيق،
ولكل الأصوات التي علّمتنا أن الإنسان يُقاس بموقفه من الحرية والعدالة والمحبة
وفاءا لراديو والدي يريفان
مذياع والدي في قامشلو، روجافاكوردستان، كان كل مساء يبث الأغاني الكُردية في ذلك الزمن الجميل والصعب في آن معاً.