نبيل عبد الأمير الربيعي
لم يعد الحديث عن مفاجأة تكليف رئيس وزراء في العراق حدثاً استثنائياً، بقدر ما أصبح جزءاً من نمط سياسي مألوف، يدار خلف الأبواب المغلقة، ويقدم للرأي العام بوصفه (تسوية اضطرارية) أو (خيار المرحلة). غير أن ما جرى هذه المرة يكشف، بوضوح أكثر من أي وقت مضى، عن انحدار خطير في مفهوم الدولة ذاته، وانتقال مقلق من منطق السياسة بوصفها إدارة للشأن العام، إلى منطق الإدارة بوصفها امتداداً لمصالح ضيقة تتخفى خلف عناوين براقة.
إن تصوير التكليف باعتباره خياراً تكنوقراطياً لا يعدو كونه محاولة لتجميل واقع مأزوم، إذ إن التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن (التكنوقراط) في ظل نظام المحاصصة ليس سوى واجهة شكلية، سرعان ما تذوب داخل شبكة معقدة من التوازنات الحزبية والتفاهمات غير المعلنة. وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بخلفية الشخص المكلف، بل بقدرة النظام ذاته على إنتاج بدائل خارج منطقه التقليدي، وهو أمر لم تثبت الوقائع إمكانيته حتى الآن.
الأخطر من ذلك، أن الجدل الدستوري الذي أُثير حول التكليف لا يمكن التعامل معه بوصفه مسألة قانونية صرفة، بل هو مؤشر على هشاشة البنية الدستورية نفسها، التي تحولت إلى نصوص قابلة للتأويل بحسب موازين القوى، لا بحسب روح القانون. إن الإصرار على تمرير قرارات مصيرية في ظل تفسيرات انتقائية للدستور يعمق أزمة الشرعية، ويفتح الباب أمام سابقة خطيرة تفرغ المؤسسات من مضمونها، وتحولها إلى أدوات لتكريس الأمر الواقع.
أما الحديث عن توافق اللحظات الأخيرة، فهو في حقيقته تعبير صريح عن عجز القوى السياسية عن إنتاج رؤية وطنية جامعة. فالتوافق الذي يبنى تحت ضغط المهل الدستورية، أو خشية الفراغ، لا يمكن أن يعد توافقاً بالمعنى الحقيقي، بل هو مجرد هدنة مؤقتة بين أطراف تتنازع النفوذ، بانتظار جولة أخرى من الصراع. وهذا ما يفسر استمرار حالة الجمود السياسي، رغم تعاقب الحكومات وتبدل الوجوه.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن سياق التأثيرات الإقليمية والدولية، حيث ما يزال القرار العراقي رهينة توازنات معقدة بين قوى خارجية، تتقاطع مصالحها على الأرض العراقية. غير أن تحميل الخارج وحده مسؤولية هذا الواقع يغفل حقيقة أكثر إيلاماً، وهي أن الداخل نفسه لم ينجح في بناء إرادة سيادية مستقلة، قادرة على تحييد هذه التدخلات أو الحد من تأثيرها.
وفي ظل هذا الانسداد، يبدو توصيف الدولة بوصفها (شركة قابضة) أقرب إلى الواقع منه إلى المجاز. إذ إن آليات إدارة السلطة باتت تدار بعقلية الربح والخسارة، وتقاسم الموارد، لا بمنطق الخدمة العامة وبناء المؤسسات. ومن هنا، فإن البحث عن (مدير مفوض) بدل (رجل دولة) ليس انحرافاً طارئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تفكيك مفهوم الدولة وإضعافها.
اقتصادياً، يقف العراق على حافة مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل مؤشرات العجز المالي وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين. ومع تصاعد الضغوط الاجتماعية، يصبح احتمال اندلاع حراكات مطلبية أمراً وارداً بل متوقعاً. وهنا يبرز الاختبار الأخطر لأي حكومة قادمة: هل ستتعامل مع هذه الحراكات بوصفها تعبيراً مشروعاً عن مطالب شعبية، أم ستلجأ إلى الأدوات القمعية ذاتها التي أثبتت فشلها في احتواء الأزمات؟
إن التساؤلات المطروحة حول سيرة النزاهة ليست تفصيلاً هامشياً يمكن تجاوزه، بل هي جزء جوهري من معادلة الثقة المفقودة بين الشارع والسلطة. فغياب الحسم في مثل هذه القضايا يكرس الشكوك، ويعمق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، التي يفترض أن تكون الضامن الأول للعدالة والمساءلة.
أما على المستوى الأمني والسيادي، فإن إدارة هذا الملف تتطلب خبرة سياسية عميقة، وقدرة على الموازنة بين التعقيدات الداخلية والتحديات الخارجية. وفي غياب سجل سياسي واضح، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة أي شخصية تكنوقراطية على خوض هذا الاختبار الشديد التعقيد، في بيئة مشحونة بالتناقضات والصراعات.
في المحصلة، لا يبدو أن الأزمة تكمن في اسم المكلف بقدر ما تكمن في بنية النظام الذي أعاد إنتاج نفسه مراراً، رغم كل الإخفاقات. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى تغيير الوجوه بقدر ما يحتاج إلى مراجعة جذرية لآليات الحكم، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة، قوامها المواطنة والعدالة والكفاءة.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام محاولة جديدة لإدارة الأزمة، أم أمام فصل آخر من فصول انهيار الدولة؟