ارهاصات بيئية تلوث نهر ديالى والكارثة البيئية

صادق الازرقي

أزمة حادة شهدتها بغداد وتتأثر بها محافظتا واسط وميسان، اذ تسبب تلوث نهر ديالى “سيروان”، بعد زيادة الاطلاقات المائية بفعل امتلاء سد حمرين، بإيقاف محطات تصفية المياه وتدني نوعية مياه الشرب بشكل خطير، واستنادا الى التحذيرات المسبقة، فإن عجز الجهات الحكومية عن المواجهة ليس ناتجا عن قلة المعلومات، بل عن تداخل معقد في الأسباب البنيوية والإدارية.

وتعد محطة معالجة الصرف الصحي في “الرستمية” المتهم الأول في هذه الأزمة، اذ صممت بطاقة استيعابية لم تعد تتناسب مع الانفجار السكاني في بغداد، وتضطر المحطة لتصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة إلى نهر ديالى؛ وتحول النهر بمرور السنين إلى مكب للمخلفات، وعندما ترتفع مناسيب المياه أو تزداد الإطلاقات المائية من سد حمرين كما حدث مؤخرا، تتحرك الرواسب الطينية والملوثات الثقيلة الراكدة من قاع ديالى لتندفع بقوة نحو نهر دجلة عند نقطة التقائهما، مما يسبب كارثة بيئية مفاجئة.

أحد أسباب العجز هو غياب المرجعية الموحدة، فكل جهة ترمي بالكرة في ملعب الأخرى، وزارة الموارد المائية، تقول أن دورها ينحصر في تأمين الحصص المائية، وتتهم أمانة بغداد ووزارة البلديات بالتقصير في معالجة مياه المجاري قبل رميها، وتسوغ الأمانة الأمر بتهالك الشبكات ونقص التخصيصات للمشاريع العملاقة، برغم إعلانها مؤخرا “نيسان 2026” عن تشغيل وحدات معالجة جديدة بطاقة 105 ألف متر مكعب يوميا لمحاولة احتواء الموقف، اما وزارة البيئة فدورها غالبا ما يقتصر على التشخيص والتحذير من دون امتلاك سلطة تنفيذية أو ميزانية قادرة على فرض التغيير على الوزارات والجهات الخدمية.

في السابق، كانت الإطلاقات المائية القوية تسهم في تخفيف تركيز الملوثات، أما الآن، ومع التغير المناخي وسياسات دول الجوار، فإن انخفاض منسوب مياه دجلة يجعل أي كمية من الملوثات القادمة من ديالى ذات تأثير سمّي مضاعف، لأن النهر يفقد قدرته على التنظيف الذاتي.وتنتشر معامل الإسمنت والورش والمستشفيات على ضفاف النهر، وكثير منها يصرف مخلفاته الكيميائية والطبية مباشرة من دون معالجة، وتغيب المحاسبة وتفتقر القوانين البيئية إلى الرادع، فالغرامات المفروضة إن وجدت زهيدة مقارنة بتكلفة بناء وحدات معالجة خاصة لهذه المنشآت.

أي ان الحكومة لا تعجز عن رصد التلوث، بل تعجز عن تمويل وتنفيذ بنية تحتية تستوعب حجم الفضلات البشرية والصناعية لمدينة يقطنها نحو 9 ملايين نسمة. الحلول الحالية مثل زيادة الإطلاقات المائية لدفع الملوثات هي مجرد مسكنات ترحل المشكلة من بغداد إلى المحافظات الجنوبية، فيما يبقى نهر ديالى الضحية الأكبر لهذا الإهمال المزمن.

المشكلة في العراق نادرا ما كانت ندرة الأموال، بل في كيفية إدارة هذه الأموال وحمايتها من دهاليز البيروقراطية، عندما تتحول المشاريع الخدمية إلى فرص للمساومة بين الدوائر المتعددة، يضيع الهدف الأساسي تحت ركام الأوراق والعمولات، ما يؤدي الى تشظيها وذلك يخلق ثغرة مثالية للفساد؛ اذ تضيع المسؤولية بين هذه الجهات، ويصبح “كتابنا وكتابكم” وسيلة لتعطيل أي مستثمر جاد لا يمتلك “ظهرا” سياسيا.ان مشكلات التلوث البيئي ومن بينها تلوث نهر ديالى وغيره من مصادر المياه تتطلب حلولا عاجلة ووقائية أيضا لدرء المخاطر قبل وقوعها.

قد يعجبك ايضا