د. توفيق رفيق آلتونچي
كنت أتحضر للدفاع عن أطروحة الدكتوراه نهاية عام ١٩٨٦ وكنا أنا وزوجتي ننتظر ولادة طفلنا الثاني ابني ئازا طاهر . لم تكن شقتنا كبيرة غرفة واحدة ومشاكلنا لم تكن اقل تلك التي كان تعاني منها الشعب الروماني في ظروف معيشية صعبة لا يمكن للإنسان تصوره ومن كافة النواحي. محلات فارغة من مواد غذائية وأسواق فارغة ومطابخ فيها طباخ دون غاز وتلفزيون ذو برامج موجهة لمدة ساعتين في مديح الدكتاتور وإخبار رحلاته وخطاباته حول العصر الذهبي الذي يعيش فيه رومانيا تحت قيادته. الشارع مليء برجال الأمن والجيش ورقابة شديدة على كل وواردة وشاردة. السبب الرسمي كان اقتصاديا كما كان يكرر السلطة اي الديون الخارجية. كتابة حوادث مر عليها اكثر من أربعون عاما ليس بالشىء السهل من الناحية العاطفية على الأقل. لا توجد اية كلمات لوصف هذهً الدولة الاشتراكية التي كانت عاصمتها يوما ما تسمى ب باريس الشرق.
هكذا كانت البداية؛
الصدفة نظرية غير رياضية ولا يمكن حسابها كرقم او في معادلة رياضية ولا يمكنً كذلكً برهان صحتها او خطئها وهي في الواقع مثل الرصاصة الطائشة او كما يقال شعبيا ” رب رمية من دون رامي”… الصدفة ليست اختيارية بل تاتي بشكل غير مدروس ومخطط. كنت قبل سنوات في زيارة الى تركيا لألتقي بإخوتي وقررنا الذهاب الى مدينة قونيا العاصمة التاريخية لسلاجقة الروم لزيارة مرقد مولانا جلال الدين الرومي البلخي هذا الشاعر الصوفي الذي يزور مرقده محبيه من معظم دول العالم. بعد الزيارة تجولنا في الساحة الملحقة بالمرقد واذا بزوجتي تخبرني بانها رأت احدى المعارف الساكنين في مدينة سويدية ولم نلتقي بهم عقد من الزمان. تعجبنا لهذه المصادفة الغريبة حقا. يقول المثل التركي:

الصورة : لدكتاتور رومانيا شاوشيسكو وهذه الصورة أخذت من مكتبه يوم الثورة والذي يوجد على الختم البريدي للرسالة التي وصلتني من رومانيا هو تاريخ يوم انلاع الثورة .
” يلتقي الجبال فكيف بالبشر” .
الصدفة تجمع قلوب البشر ولها تأثير سحري على مسار حياتنا ومن محاسن الصدف في حياتي في لقائي لان أولادي قبل اكثر من اربع عقود. العام ١٩٧٦ كنت لا ازال أواصل دراستي الجامعية في تركيا حينً قرر بعض من أصدقاء السفر الى رومانيا في نهاية العطلة الصيفية لزيارة بعض الأصدقاء ممن يدرسون هناك وطبعا وافقت على فكرتهم واستقبلنا قطار الشرق باتجاه بلغاريا ثم انتقلنا الى قطار اخر متجه الى بوخارست عاصمة رومانيا الاشتراكية آنذاك وكانت تمنى ب باريس اوربا الشرقية وكانت كذلك من نظافة وعمران شبيه بتلك البنايات في باريس وحتى قوس النصر وحياة باربسية في إنشاء المقاهي واللذيذ من المعجنات والأكلات ناهيك عن كونها رخيصة جدا. بعد جهد جهيد تمكنا من ايجاد مكان سكن اصحابنا في احدى مجمعات القسم الداخلي للطلبة حيث قضينا ليلتنا الأولى في بيت احد طلاب كلية الطب واسمه (جالاك) الذي كان كريما معنا و اوانا تلك الليلة لنلتقي بعدها بالعديد من الأصدقاء. ونحن جالسون في غرفة صديقي العزيز احمد وزوجته الرومانية دانا فاذا بالباب يفتح وخلفها كانت شابه شبيه تماما ب دانا اي اختها التوأم رحبت بنا بسرعة واختفت بعد ثوان.
الصدفة؛
الصدفة تلعب دورا أساسيا في تغير مجرى حياتنا أحيانا. بعد ثماني سنوات وانا احضر لرسالة الدكتوراه في بوخارست شاهدت وانا اهم بالخروج من الجامعة فتاة صغيرة في العمر تصطحب طفلا صغيرا معها عرفت اسمها فيما بعد “سلفيا” وقد أنجبت الطفل من احد الطلبة العرب يدرس في اجدى الجامعات و في احدى مدن رومانيا كانت تسير وتنظر الينا وسط العاصمة عند الحديقة الملحقة بأكاديمية المعمارية مقابل المسرح الوطني لكني لمً اهتمً بهاً مثلما اهتمامً اخي الدكتور الذي كان برفقتي المهم انه تواعد معها كي يلتقيا ن عند المساء واقترحت ان تأتي مع احدى صديقاتها. لم اكن انوي المجيء الى المدينة ذلك المساء لاننا كنا نسكن في حي (درومول تابرى (طريق المخيم) الذي يقع على إطراف المدينة حيث كنا نستأجر شقة سكنية بالعملة الصعبة . مخلص الكلام ( الحچي) رجعت مع اخي في المساء والى نفس المكان وجلست على إحدى المصطبات بالقرب من بناية الجامعة دون ان ارفق اخي الى مكان اللقاء. جاء اخي من بعيد بعد برهه بمعية فتاتين وعرفت احداها من ملامحها وتقدمت وقلت لها كيف انت( دانا) وكيف هو صحة (احمد). تعجبت الفتاة وقالت دانا أختي التوأم. طبعا قارئي الكريم عرفتم انها زوجتي ام شيرين ولا يزالان يعيشان معا في كندا ومنذ اكثر من نصف قرن.
أيام الدراسة الجامعية؛ حتى الجامعة كانت تعج بالمخبرين وحتى المدرسين اجبروا على تقديم التقارير حول الطلاب الأجانب. لكن التناقض الكبير كان ما ندرسه في مادة الاقتصاد السياسي والتي كانت تمرر فيها بان الرأسمالية تعيش عصرها الأخير وان البديل العادل والوحيد هي الاشتراكية لكننا حين كنا نخرج من بناية الكلية إلى الشارع كانت هناك صورة أخرى قاتمة. طبعا كان هناك طلاب مستفيدون من الوضع خاصة من العراقيين والسوريين وكلتا الدولتين كانت تدعيان بكون نظامهم اشتراكي كما هو معلوم وكان حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم الأوحد فيها. يقال بان حزب البعث العراقي وصل أعضاءه الىً درجة شعبة في رومانيا. كان سفارة العراق الأقوى ويسيطر علىً جيش من الطلاب يزوّدهم بالأموال مساعدات واخرون ممن يدرسون على حساب الوزارات العراقية والدوائر الرسمية والجامعات العراقيةً، طلاب الزمالة وهم من المحظوظين طبعا رواتبهم عالية في العراق وأقدمية وراتب إضافي في الخارج ونفقات سفر ناهيك عن إمكانهم الاستفادة من مؤسسات الدولة الرومانية المخصوصة للهيئة الدبلوماسية من مواد غذائية ومشروبات وسيگائر اي أنهم كانوا بعيدين من معاناة الشعب الروماني. الحرب العراقية الإيرانية كانت في أشدها عام ١٩٨٤ لكني رغم تحضيري لأطروحة حول العراق كانت دائرة البعثات العراقية قد رفضت حتىً فتح ملف دراسي لي وأرسلت كتاب رسمي وبرقية الرفض إلى الملحقية الثقافية حيث ذيل الكتاب احدهم ب” يستدعى ” اما أسباب الرفض فغير واضح وكنت قبل تركي للعراق بطريقة رسمية وبجواز سفر عراقي بعد ان أديت الخدمة العسكريةً الإلزامية وخدمة الاحتياط قبل ان اترك العراق.
هناكً تفاصيل اخرىً حول تلكً الزمان والعيش في ظل الخوف والعوز ومن ثم الاختفاء من عيون رجال الأمن ومن الطرفين. ايام الرعب والخوف وتغير العنوان والعوز الشديد وربما سآتي إلى تلك الأيام لأرويها لكم قارئي الكريم بإذنه تعالى.

كنت أريد ان اروي الحقيقة من وجهة نظري الخاصة حول نظام كان يدعي ليل نهار بانه يطبق نظرية سياسية إنسانية اشتراكية بكافة حذافيرها. اما الناس فهم في عوز وفقر يجمعوهم كالقطيع كلما حل مناسبة في الشوارع والساحات كي يهتفوا باسم الحزب القائد وقائد الضرورة نيكولاي شاوشيكو. أتذكر شاهدته وهو يخطب خطبته المعهودة بمناسبة عيد راس السنة وهي خطبة تقليدية تذاع في الدقائق الأخيرة من كل عام. شتاء هذا العام كان شديدا وكان حضور الخطاب شبه اجباري ويحفظها المرددون في اليوم التالي لأنهم سيسألون عن فحوى الخطاب في الاجتماع الحزبي . اهم ما ورد في ذلك الخطاب كان نصيحة القائد الضرورة بالنوم بالملابس اتقاء البرد الشديد القارس.
الشتاء القاسي:
أتذكر حين كان شتاء ١٩٨٥ شديدا وكنا أنا وزوجتي نعيش في غرفة بدرجة متواضعة من الأثاث وبسرير صغير يشبه أسرة الجنود في الثكنات وكان علينا ان ننقلب في فراشنا معا كي نتمكن فقط نقلب جسدنا على ذلك السرير. لم يكن لنا حتى حمام بل على السطوح كان هناك مخزنا كبيرا يعيش في جميع أنواع الفئران وعائلاتهم يتنزهون في المكان وتلتقي بهم في السلم الخشبي الدائري أثناء صعودك إلى شقتك وقد تراهم يسيرون في قطيع وفي خط مستقيم بقيادة احدهم من الفئران السمان وتكاد ان تلاحظ نظراته المباشرة لك وكانّه يبتسم قائلا؛
اهلاً بك في بيتي العامر.
كان لدينا طشت بلاستيكي كبير من تلك التي تستخدم لاستحمام الأطفال نستخدمه نحن الكبار كي نستحم فيها بعد ان نغلي الماء في المطبخ على الطباخ الأسود العجوز القادم من ايام العثمانيين والغاز الذي يكاد ان تكون حرارته بحرارة شمعة صغيرة وهذا طبعا في الليل فقط اما في النهار فلا وجود للغاز وعلى زوجتي الطبخ فقط ليلا لان الغاز في المطابخ كان كالعملة الصعبة في هذا البد الأوروبي. تصور إذا وجد رجال الشرطة والأمن ورقة دولار في جيب احد المواطنين من الرومان عند التفتيش قد يؤدي به إلى السجن او النفي للعمل “السخرة ” الشاق في القناة الذي ينوي الدولة شقه منذ سنيين على نهر الدانوب. كما ذكرت كان الشتاء عسيرا علينا فوجدت في البيت عدد من الكراسي القديمة كسرتها كلها ووضعتها في المدفئة الكبيرة التي تعود ربما لمئات السنين وكان من الطبيعي رويته في البيوت القديمة وهي طويلة تصل إلى سقف الغرفة دائرية ومن السيراميك بني اللون فيها فتحة في سطح البناية وفتحة أخرى لإشعال الغاز في الأسفل. وهكذا تمكنا من تسخين الغرفة لأيام.
سيكوريتاته؛
عدت إلى البيت بعد ان قضيت وقتي في الدراسة في مكتبة مركز التوثيق الواقع قرب الجامعة وسط المدينة وبدأت أداعب ابنتي الصغيرة “شيرين ” التي كنت اسميها “بوبو”. حين دق الباب وفتحتها زوجتي فاذا بثلاث من رجال الأمن يدخلون إلى الغرفة ويقدمون انفسهم من الشرطة السرية الرومانية ، سيكوريتاته. وبدا تحقيق طويل معي وحين دافعت عن عائلتي قال احدهم موجها الكلام لزوجتي نحن سنأخذ طفلتك ونضعها في دار الأيتام ونربيها…. كانت عائلة زوجتي من أصول ألمانية قد تركت وهربت من رومانيا منذ سنوات وتعيش في ألمانيا الغربية. فهمت من الحديث ان حماتي تعمل في المعارضة وتتحدث في “إذاعة صوت اوربا الحرة” التي كانت موجهة إلى الدول الاشتراكية. المهم بعد تفتيش البيت حتى التواليت تركوا المكان بعد تناقشوا فيما بينهم. سألني كبيرهم متى تنتهي من دراستك فذكرت له بعد أسابيع. قال جيد عليك ترك البلاد بعد الدفاع عن أطروحتك. وأضاف مهددا وإلا. هذا ” إلا ” كان السجن في مطار بوخارست المسماة ” اوتوبن” من اجل تسفيري إلى العراق. لكن الإرادة الالهيه كانت بالمرصاد أنقذني طاقم طائرة الخطوط الجوية النمساوية فهبطت في مطار فينا. نسيت ان اذكر كنت قد سجلت نفسي في الجامعة في النمسا بعد تركي العراق حيث بدأت دراستي العالية ولا زلت احتفظ بهويتي الجامعية التي تشبه جواز السفر. نظر الي شرطة المطار في ڤينا حين قدمت له جوازي العراقي مع هويتي الجامعية قائلا؛
لا تنسى ان تذهب غدا الىً دائرة الشرطة لتمديد إقامتك واهلا بك.
انها وطني الحبيب الذي أنقذني الجمهورية الثانية نمسا.
لكني ما برحت تركتها واتجهت إلى القطب الشمالي والحكاية مستمرة هنا منذ اكثر من أربعين عاما في درة السويد مدينة يونشوبنگ المكنى ب أورشليم السويد.
الأندلس
2026