مصطفى حسين الفيلي
لم يعد النقد السينمائي اليوم صاحب الكلمة الفصل كما كان في زمن الصحافة الورقية، حين كانت مراجعة واحدة قادرة على رفع فيلم أو دفنه. التأثير لم يختفِ، لكنه تغيّر شكله ومكانه.
في السابق، كان الناقد وسيطًا أساسيًا بين الفيلم والجمهور يشرح يفسّر، ويقود الذائقة أمّا اليوم، فقد أصبح الجمهور محاطًا بآلاف الآراء السريعة تقييمات رقمية، فيديوهات يوتيوب، ومنشورات قصيرة تختصر الفيلم في نجمة أو جملة ساخرة.
هنا خسر النقد التقليدي السرعة، لكنه لم يخسر القيمة النقد السينمائي ما زال مؤثرًا، ولكن ليس على شباك التذاكر، بل على الوعي السينمائي. هو لم يعد يخبرك ماذا تشاهد، بل لماذا تشاهد، وكيف تفهم ما شاهدت. تأثيره أصبح أعمق وأبطأ، لكنه أكثر رسوخًا.
المفارقة أن زمن المنصّات، الذي همّش صوت الناقد، هو نفسه الذي أعاد الحاجة إليه. فوسط هذا الكم الهائل من الإنتاج، يصبح النقد الجاد بمثابة بوصلة، لا مرشد سياحي. الفرق كبير بين من يقول لك “الفيلم جميل” ومن يقول لك “هذا ما فعله الفيلم بك دون أن تنتبه”.
المشكلة الحقيقية ليست في ضعف النقد، بل في خلطه بالرأي السريع. حين يتحول الناقد إلى صانع محتوى يبحث عن الإعجاب، يفقد النقد جوهره. وحين يُختصر الفيلم في تقييم رقمي، تُختصر السينما نفسها.
النقد السينمائي لا يموت، لكنه يمرض حين يتخلى عن عمقه، ويستعيد عافيته حين يتذكّر مهمته الأولى طرح الأسئلة لا إصدار الأحكام.