جاسم العقيلي
في ساعات المحن الوطنية، يتحوّل الإعلام من ناقل للأخبار إلى شريان حيوي يغذي روح الأمة، ومنصة توحد القلوب قبل العقول. فالإرهاب لا يهدف فقط إلى سفك الدماء، بل يسعى لتفكيك النسيج الاجتماعي وبث الفرقة. هنا يبرز دور الإعلام الحقيقي ليس كمتفرج، بل كفاعل رئيسي في المعركة الفكرية .
كما قال الصحفي البريطاني جورج أورويل: “الصحافة الحرة هي واحدة من أكبر أعداء الطغيان”، وهذه الحرية تحمل مسؤولية جسيمة في أوقات الأزمات
فالإعلام الوطني مطالب بأن يكون حصناً منيعاً ضد الإشاعات التي يزرعها الإرهابيون بين الناس، ومصباحاً ينير الحقائق وسط ظلام التهويل
محمد حسنين هيكل، عميد الصحافة العربية، كان يؤكد أن “دور الصحافة ليس إشاعة الذعر، بل تقديم المعرفة”. وهذه المعرفة المقصودة هي تلك التي تشرح للمواطن حقيقة التحدي، وتذكره بقوة نسيجه الوطني، وتعيد الثقة في قدرة الدولة ومؤسساتها على الحماية والردع .
لقد أدركت الأمم التي واجهت الإرهاب أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل هي معركة سردية. الإرهاب يروي قصة الخوف، والإعلام الوطني مطالب بأن يروي قصة الصمود والتلاحم .
والتر ليبمان، أحد أهم كتاب الأعمدة الأمريكيين، لاحظ أن “عندما تكون كل الأخبار سيئة، يكون دور الصحافة البحث عن الخير الذي يقاوم هذا السوء ” .
وفي تجاربنا المحلية ، شهدنا كيف تحوّل الإعلام خلال فترات التحدي ومواجهة الإرهاب إلى منصة للبطولات وهم يروون قصص : أبطالنا في ساحات الحرب وهم يقفون بأجسادهم في التصدي للإرهاب التكفيري ، والطبيب في غرفة الطوارئ، والمدرس الذي حافظ على دوام مدرسته، والمتطوع الذي نظّم حملة تبرع بالدم. هذه القصص ليست ترفاً صحفياً، بل هي ذخيرة معنوية تقوي مناعة المجتمع .
ريما خلف، الإعلامية اللبنانية، قالت يوماً: “الإعلام الجاد هو الذي يبني ولا يهدم، يوحد ولا يفرّق ” .
إن التحدي المطروح على وسائل الإعلام هو التحلي بالحكمة المهنية: نقل الحقائق دون تهويل، تحليل المخاطر دون مبالغة، وإبراز قصص الوحدة الوطنية دون تصنع. الإرهاب يبحث عن فرقة لنفخ روحه الميتة فيها، والإعلام الواعي يغلق كل النوافذ أمام هذا الهواء العاصف .