أطفال العراق ذوو البشرة السمراء ضحايا التنمرالمدرسي

صفا الطائي

يعتبر العراق من أبرز الدول الغنية بالتنوع العرقي، لكنظواهر عنصرية، من بينها التنمر بين الأطفال والشبان،باتت تقلق أفراد المجتمع.

يتجذّر التنمّر في مدارس العراق، في وقت لا تتخذوزارة التربية أي معالجات اجتماعية أو إدارية. ويتأثربه بشكل أكبر الأطفال أصحاب البشرة الداكنة الذينيستمرّون في مواجهته حتى على مستوى الوظيفةلاحقاً. وليست معاناتهم مجرد شكاوى فردية، بلظاهرة اجتماعية ذات جذور تاريخية وثقافية، إذ يتوزعأصحاب البشرة الداكنة في عموم المناطق، خصوصاًفي المدن الجنوبية، وتحديداً البصرة، ويبدو أن صعوبةالحصول على فرص عمل هي أبرز ما يواجه منيتعرضون للتنمر، ويشمل ذلك القطاعين العام أوالخاص، رغم أن العراق اتخذ خطوات رسمية للتمسكبمبادئ المساواة، وصادق عام 1970 على الاتفاقيةالدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصريالتي تتضمن أحكاماً تؤكد حقوق العيش الكريمللأقليات العرقية.

تقول منى (17 سنة) من مدينة البصرة،أذهب كلصباح إلى المدرسة في قلق لأنّ بعض زميلاتي يقلن إنبشرتي داكنة جداً، ويصفنني بكلمات مثل سودة، أوسمرة ، أو كاكاو“. هذه التعليقات تسبّبت لمنى فيحرج كبير أمام زميلاتها، وجعلتها ترفض الذهاب إلىالمدرسة، خصوصاً أن المرشدة التربوية لا تفعل شيئاًسوى توبيخ البنات..

وهذه أيضاً حال حوراء (19 سنة) التي عانت فيالمدرسة من موضوع لون البشرة، وتوضح أن أخواتهاوبنات عماتها اللواتي كنّ بعمر قريب منها ومكثن فيالدار نفسها لم تكن بشرتهن غامقة بالدرجة نفسها، بلأفتح بكثير وحتى بيضاء، وقالت : “لم أستطع التخلصمن التنمر حتى اليوم. عندما كنت صغيرة كانواينادونني بسودة، وكنت أرى أن الاهتمام ببنات عماتييختلف تماماً. لم أرغب في الذهاب إلى المدرسة، ثمأصبحت أدرس في البيت فقط. وحالياً تجاوز عمريمرحلة المدرسة، وكان يفترض أن أكون في الجامعة،لكن التنمّر أثّر في نفسيتي ودراستي“.

من جهتها، تؤكّد الإعلامية رندا عبد العزيز (30 سنة): “لم يكن لون بشرتي عائقاً أمام حصولي على عمل فيمجال الإعلام، رغم أنه مجال يصعب أن تخوضه نساءأخريات“. واضافت : “التمييز الذي يواجهه أصحابالبشرة السمراء يصادفهم مع فئة من المجتمع وليسكله، وهو ولا يقتصر على جماعة معينة. نصيحتيللجميع ألا يجعلوا لون البشرة عائقاً أو حاجزاً أمامهم. صحيح أننا في زمن يبحث فيه الناس عن الشكل، لكنشركات ومجالات عمل كثيرة تريد المضمون أكثر منالشكل، مع الحفاظ على النظافة والترتيب والأناقة.

اما أستاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد، أسماءجميل رشيد ذكرت: “ما نراه هو أحد أشكال التمييزعلى أساس لون البشرة، وهو ليس تمييزاً بين الأعراقفقط، بل في داخل المجتمعات ذاتها. وفي العراقيتجذر هذا التمييز في الموروثات التاريخية والخطاباليومي. ترتبط البشرة الداكنة في وعي بعض الناسبالفقر، أو بدرجة أدنى من المواطنة، ويؤثر ذلك علىنفسيات الفتيات ويضعف ثقتهن بأنفسهن، وقد يدفعبعضهن إلى مغادرة التعليم أو تقليل طموحاتهن“. وترى أنغياب قوانين واضحة لحماية الأشخاص منالتمييز بناءً على لون البشرة يُفاقم المشكلة، والتعليموالتربية يجب أن يتضمّنا مناهج حول التعدّدوالكرامة“.

في السياق، تحدث الطبيب محمد الطيب: “تلجأ كثيرمن الفتيات إلى مستحضرات تفتيح الجلد الخطرةبسبب الضغط الاجتماعي والشعور بأن بشرتهن غيرمقبولة. وبعض هذه المنتجات تحتوي على مواد مثلهيدروكينونأوستيرويداتأو زئبق، وقد تسبّبتهيجات جلدية ومشاكل صحية خطيرة“. وتابع: “منالناحية النفسية، يمكن أن يؤدي التنمر العنصري أوبسبب لون البشرة إلى قلق واكتئاب وانزواء اجتماعي. كذلك يجب ملاحظة أطفالنا وشبابنا، وأن ندرك ضرورةالتدخل المهني عبر الاستشارات النفسية، مع دعمالمدرسة والمجتمع“.

وترى منظمات لحقوق الإنسان في العراق أن التمييزالقائم على أساس لون البشرة لا يزال يشكّل مشكلةاجتماعية صامتة، لكنها مؤذية، وتعاني منها فتياتونساء وشباب في مختلف المحافظات. وقال ياسرإسماعيل، مدير منظمةناياللدفاع عن حقوقالإنسان: “يفتقر العراق حالياً إلى تشريعات واضحةتجرّم التمييز المباشر على أساس لون البشرة، سواءداخل المدارس أو الجامعات أو أماكن العمل، أو حتىفي سياقات الزواج والاندماج الاجتماعي“.

وفي حديث سابق قالت فاطمة مزهر؛ وهي معلمةبمدرسة ابتدائية في بغداد: “ ليس التنمّر ظاهرةنادرة، بل يزداد انتشارها. يشتكي الطلاب والطالباتكثيراً من تعرضهم لعنف لفظي، يصل أحياناً إلىالعنف الجسدي. “.

لكن فاطمة تجد أن الأخطر هو انعكاس المواضيعالسلبية التي يتناولها المجتمع أو المشاكل التي مرّ بهاالعراق خلال سنوات ماضية وتركت ترسبات بينالتلاميذ الذين يصوغون منها عبارات تنمر، وتقول: “المقلق أن عبارات التنمّر التي يستخدمها بعضالطلاب تحمل ألفاظاً فيها كلمات طائفية انتشرت داخلالمجتمع من جراء الخلافات السياسية“.

قد يعجبك ايضا