خوشناف سليمان
لم تعد سوريا مجرد جغرافيا منكوبة أو ساحة صراع دولي. بل تحوّلت إلى نموذج مأساوي لانهيار فكرة الدولة نفسها. منذ عقود. جرى تفريغ مفهوم الوطن من مضمونه. وتحويل الدولة إلى مزرعة استبداد، والجيش إلى أداة قمع، والقانون إلى عصا غليظة بيد الحاكم. ومع انفجار الثورة السورية عام 2011، لم يجد السوريون دولة تحميهم ولا جيشًا وطنيًا يدافع عنهم، بل وجدوا منظومة متوحشة أعادت إنتاج القتل والحصار والتهجير بأدوات أكثر فتكًا.
صناعة الاستبداد
حكم البعث لم يكن مجرد حزب سياسي. بل مشروع شامل لإخضاع المجتمع، مسح الحياة السياسية، وإنتاج مواطن خائف دائمًا. كل من عاش في سوريا كان يحمل ملفًا أمنيًا كان يمكن أن يُتهم في أي لحظة بالتآمر أو العمالة أو تهديد الأمن القومي. هذا الإرث جعل المجتمع هشا أمام أي هزة. وجعل فكرة الدولة مرتبطة في أذهان الناس بالخوف والفساد والولاء الإجباري.
مع سقوط هيبة النظام جزئيًا بعد الثورة. لم تسقط معه منظومة الخوف. بل أُعيد تدويرها بطرق أشد قسوة. القمع ازداد. وملفات الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري تحولت إلى سلاح سياسي لإبقاء السوريين تحت السيطرة.
فوضى السلاح.. وصعود الرايات السوداء
لم يترك النظام فراغًا وحسب. بل فتح الأبواب أمام الفوضى. انتشار السلاح خارج إطار الدولة. وظهور الفصائل المتطرفة حول سوريا إلى فسيفساء من الإمارات المتصارعة. في هذا المناخ. ظهرت داعش كأقصى تعبير عن الخراب.. سلطة مطلقة تفرض خيارين على الناس إما أن تكون داعشيًا أو تموت. بذلك تحولت الثورة من مشروع حرية وكرامة إلى حرب بقاء بين أنظمة قمع متناحرة.
الجنوب والساحل الساحل.. جراح صامتة
في الجنوب، يعيش الدروز حالة حصار سياسي وأمني. بين خطر الفوضى وتغول السلطة وتستمر عمليات الاغتيال كأداة لإخضاعهم. وفي الساحل تعيش عائلات علوية صدمة فقدان عشرات الآلاف من أبنائها الذين زج بهم في حرب النظام. دون اعتراف ولا مساءلة. هذه المجتمعات لم تحصل على الحقيقة. ولا على العدالة. وصمتها اليوم ليس رضا. بل خوف من أن أي كلمة قد تعني استهدافًا جديدًا.
الدولة الغائبة والحكومة المعزولة
ما يسمّى اليوم الحكومة السورية لم يعد يمثل السوريين بأي شكل. هي سلطة مفصولة عن الناس. تحكم بمنطق القوة لا بمنطق الشرعية. لا توجد مؤسسات فعلية ولا قضاء مستقل ولا جيش وطني. بل أجهزة أمنية وميليشيات تتقاسم السيطرة. ومع حكومة أحمد شرع الحالية. باتت النظرة للسوريين وكأنهم جميعًا خصوم أو مشاريع شبهة. وهو ما يبرر استمرار العنف ضدهم.
المعارضة وإعادة إنتاج الاستبداد
جزء من المعارضة السورية. للأسف وقع في الفخ ذاته. فبدل أن تبني مشروعًا ديمقراطيًا جامعًا. أعادت إنتاج عقلية الإقصاء والتخوين. بل واستعارت منطق الأنظمة الشمولية حين حاولت فرض نموذجها بالقوة على المجتمعات المحلية. النتيجة أن السوري وجد نفسه بين نظام يقتل باسم الدولة ومعارضة تقتل باسم الثورة. وتنظيم الدولة / داعش / تقتل باسم الله.
العدالة المؤجلة.. والحاجة إلى مشروع وطني
لا يمكن الحديث عن العدالة في ظل غياب الدولة وهيمنة العصابات والتنظيمات المسلحة. العدالة ليست محكمة دولية فقط. بل منظومة متكاملة تبدأ من نشر الأمن والاستقرار. وبناء سلطة شرعية تستمد قوتها من دستور ديمقراطي ولا مركزي. يضمن مشاركة كل المكونات في القرار.
إن تجربة المناطق التي تحميها قوات سوريا الديمقراطية تقدم نموذجًا أفضل نسبيًا من حيث الاستقرار وبناء مؤسسات مدنية. رغم كل التحديات. هذا النموذج يثبت أن السوريين قادرون على إدارة شؤونهم متى ما توفرت لهم الحماية من القصف والاحتلالات الخارجية.
نحو مستقبل يليق بالضحايا
الخطوة الأولى نحو العدالة هي كشف الحقيقة كاملة.. من قتل ومن أمر ومن مول. العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية. ولا يمكن أن تُختزل في محاكمات رمزية. المطلوب عملية عدالة انتقالية شاملة. تشارك فيها الضحايا أنفسهم. وتعترف بكل الجرائم بغض النظر عن الجهة التي ارتكبتها.
سوريا لن تخرج من دوامة العنف إلا حين تعيد تعريف الدولة على أنها ملك لكل مواطنيها. لا لعائلة أو حزب أو طائفة. العدالة ليست ترفًا أخلاقيًا. بل شرط وجود. وخطوة أولى لمنع تكرار المأساة. أما ترك الساحة للقتلة وحدهم فهو وصفة مؤكدة لجولة جديدة من الدمار. لن يسلم منها أحد.
هذا النص محاولة لاستعادة المعنى وسط الركام.. أن تكون سوريا لكل السوريين. وأن تتحول العدالة من حلم مؤجل إلى واقع. لا عبر الانتقام. بل عبر الحقيقة والمحاسبة وبناء نظام سياسي جديد يقوم على الديمقراطية واللامركزية وحدها هذه الخطوة تعيد الأمل لوطن يعيش منذ عقود بين إرث البعث ورايات التطرف.