احمد زبير باني
في صباح الخامس والعشرين من أيلول عام 2017، تنفّس شعب كوردستان الحرية كما لم يفعل من قبل، حين اتجه إلى صناديق الاقتراع، وقلوبهم تنبض بنداء واحد: “نحن أمة حيّة، وإرادتنا لا تُكسر”. كان ذلك اليوم أشبه بعرس قومي، ارتفعت فيه رايات كوردستان كأجنحة طيور تحلق في سماء الأمل، بينما كانت الشوارع تعج بالنساء والأطفال والشيوخ، كل واحد يحمل قلبه مشحونًا بالأمل والتاريخ، وكل عين تلمع بإصرار على مستقبلٍ حرّ. لم يكن الاستفتاء مجرد إجراء ديمقراطي، بل كان صرخة وجود، وملحمة تحدٍ، ورسالة أبدية بأن الكورد بعد قرون من النضال والخذلان لن يتنازلوا عن حقهم في الحياة بكرامة.
وسط تلك اللحظة الفارقة، برز القائد مسعود البارزاني، حاملاً أمانة أمة بأكملها على كتفيه. بإرادته الصلبة وثباته الذي يشبه صلابة جبال كوردستان، وبإيمانه العميق بعدالة قضيته، قاد شعبه نحو الاستفتاء متحديًا العواصف والضغوط. لم يكن قراره مجرد سياسة، بل كان انعكاسًا لحقيقة راسخة: أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الأمم لا تُبنى إلا بالتضحيات. لقد جسّد البارزاني في تلك اللحظة صورة القائد الذي يصنع التاريخ، رمزًا يتجاوز السياسة ليصبح وجدانًا قوميًا حيًا في ذاكرة الكورد.
لقد جاء الاستفتاء في مرحلة عصيبة، بعد حرب ضروس ضد الإرهاب، وفي ظل أزمات اقتصادية وسياسية خانقة. ومع ذلك، لم يتراجع الكورد، بل تقدّموا بخطوات ثابتة، مؤكدين أن الظروف مهما اشتدت لا تستطيع أن تحجب شمس الحرية. كان المشهد ساحرًا؛ الأطفال يلوحون بالرايات الصغيرة، والشيوخ يرفعون أصواتهم بالدعاء، والنساء يشحنّ جو الشوارع بالحب والانتماء، لتتحول المدن والقرى إلى بحرٍ من الألوان والنبض الوطني. كان الاستفتاء بمثابة عهد بين الأجيال؛ عهد يربط الماضي المثقل بالتضحيات بالحاضر المليء بالتحديات، ليبقى الحلم ممتدًا نحو المستقبل.
وعلى الرغم من أن نتائج الاستفتاء واجهت حصارًا سياسيًا وضغوطًا إقليمية ودولية، إلا أن قيمته المعنوية كانت أعمق من أي حسابات آنية. لقد أعاد وضع القضية الكوردية على خريطة العالم، وأثبت أن تجاهل صوت الكورد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الصمود والإصرار. بل الأهم أنه وحّد القلوب، وأشعل شعلة الانتماء القومي في صدور أبناء كوردستان، لتكون الرسالة جلية: الكورد أمة لا تموت، وحلمها في الحرية باقٍ ما بقيت الحياة.
إن استفتاء كوردستان لم يكن مجرد يوم في الروزنامة السياسية، بل كان لحظة ولادة جديدة لإرادة أمة. لقد كتب الشعب الكوردي بدموعه وابتساماته ملحمة لا تُنسى، ملحمة تقول للعالم: إننا هنا، على أرضنا، متمسكون بحقنا المشروع، لا نخاف ولا نتراجع. وفي هذه المسيرة، يظل الرئيس مسعود البارزاني عنوان الشجاعة والإصرار، وقائدًا رفع راية كوردستان في لحظة فاصلة من تاريخها، ليؤكد أن الكورد لا ينكسرون، وأنهم مهما تعثرت خطواتهم، فإنهم ماضون نحو شمس الحرية، شاخصون إلى الأفق، متسلحين بالإرادة، حاملين حلم وطن لن يعرف إلا الحرية والكرامة