الكرد في سوريا بعد (بيدرسن): فراغ تفاوضي وهشاشة دستورية

زينه عبدي

في لحظة مفصلية وشديدة الحساسية والتعقيد، تأتي استقالة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا (غير بيدرسن) لتجعل مسار العملية السياسية السورية أشد غموضا وتعثرا. وبينما تلعب جميع القوى الإقليمية والدولية أدوارها وتتبادل الحسابات على الجغرافيا السورية، يواجه الكورد مرحلة فراغ من المباحثات والمفاوضات تحتم عليهم إعادة ترتيب تحالفاتهم لا سيما دوليا وأولوياتهم داخليا في ظل غياب أية ضمانات دستورية تضمن حقوقهم ومكتسباتهم على الأرض. يطرح هذا الواقع العديد من التساؤلات ويثير استفهامات متعلقة بمصير الكرد لا سيما فيما يتعلق بالإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال شرق سوريا ومحادثاتها مع دمشق متضمنة احتمالات التسوية وأطر التدخل الدولي، ما يضع الكرد أمام عقبات جسيمة تنذر بمخاطر تتطلب المزيد من الرؤى السياسية واضحة المعالم وموقف موحد كون مكتسباتهم أصبحت أمام اختبار حقيقي.

من بين السيناريوهات المحتملة للكورد بعد استقالة بيدرسن، غياب الضمانات الدستورية ينقل مسار التفاوض السوري إلى فراغ تفاوضي أشد خطورة من ذي قبل. وهنا لن تكون المحادثات بشأن الملف الكوردي في سوريا حول الحقوق وشكل الحكم (لامركزي كان أم فدرالي) بل عن كيفية الحفاظ على مكاسب الشعب الكوردي في بيئة غير مستقرة قد تستبدل فيها الأدوار ما بين التسويات السياسية والصفقات الأمنية العابرة. وأولى هذه السيناريوهات هي تعميق الفراغ الدستوري، حيث كان بيدرسن يحاول تحريك ملف الدستور السوري وصياغته بما يتناسب مع الحالة السورية عبر تعديله، إلا أن غيابه يعني بصورة عملية تجميد ملف الدستور السوري إلى أجل غير مسمى، الذي يتضمن مسألة الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي وهذا ما سيؤثر سلبا على الكورد لأن الملف السوري بات بيد مجموعة قوى إقليمية التي تختلف أولوياتها عن مطلب الكورد الأساسي. يعني عدم استمرار العملية الدستورية يعقد التفاوض مع الكورد ويؤكد غياب إطار دولي يلزم جميع الأطراف في دمشق وخارجها بإقرار شكل حكم يناسب الكورد ويحمي هويتهم كما يريدونه.

منذ بداية الأزمة السورية لم تكن هناك أية نصوص واضحة تؤكد على حقوق الشعب الكوردي والاعتراف به دستورياً، بمعنى أن الإدارة الذاتية كانت ولا تزال تصدر قوانين وتشريعات إلا أنها لم تكن تحظى بغطاء واعتراف دولي وداخلي من سوريا، الأمر الذي يؤكد التهديد المستمر ببطلان كافة الوثائق التي تصدر عن مؤسسات الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا إذا ما تغيرت موازين القوى على الأرض وأولها كانت استقالة بيدرسن (جزء من التغيير). غياب قناة تواصل أممية يضع الكورد أمام احتمال تفاوض غير متكافئ مع الحكومة الانتقالية، الأمر الذي قد يفرض عليهم شروط صارمة تضعف استقلاليتهم كأن يُطلَب من الإدارة الكوردية القبول ببعض الشروط التي تحد من قدرتهم على المطالبة بصيغة حكم فيدرالي أو لامركزي أو الاعتراف بوجودهم الكوردي (القبول بمسائل وإجراءات إدارية ضيقة بمنأى عن اعتراف دستوري).

وفي ذات السياق، قد تستغل تركيا الغياب الدبلوماسي الأممي في سوريا حاليا، فتكثف من عملها العسكري على طول المنطقة الحدودية مع المناطق الكردية في سوريا (شمال شرق سوريا)، بغية السيطرة على أكبر مساحة ممكنة على تلك الحدود حفاظا على أمنها الحدودي كما تدعي، وهنا ستقلَّص قدرة الكورد في عملية الردع، ما يهدد استقرار وأمن منطقتهم. ورغم الدعم المستمر من التحالف الدولي في محاربة داعش، إلا أن هذا الفراغ الأممي قد يؤطر دعم الملف الكوردي، أي ربما سيكون هناك تغيرات في الأولويات الدولية لا سيما لدى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، التي قد تنهي دعمها نهائيا أو تقلصه، ما يضع الكورد أمام فراغ أشد خطورة من قبل على المستوى الأمني.

تضع هذه المرحلة الكورد أمام واقع هش وجملة من التحديات والتأثيرات المباشرة على وضعهم الأمني والسياسي والاقتصادي، ما يفرض بالدرجة الأولى اتخاذ عدة استراتيجيات في غياب الضمانات الأممية أبرزها التأكيد على وحدة الصف والموقف الكورديين حول ورقة المطالب الدستورية وتقديمها لأي مبعوث أممي جديد على الساحة السورية، المشاركة في إيجاد صيغ تفاوض وتفاهم مشتركة مع الحكومة الانتقالية بدمشق ومطالبتها بتعهدات رسمية ومكتوبة. تكثيف الجهود مع القوى الدولية الدبلوماسية لتقليل الخسائر والحفاظ على المكاسب الكوردية التي لا تزال قائمة، وتعزيز هذه التحالفات لتشكيل ورقة ضغط والدفع بها نحو استئناف الملف الدستوري يضمن الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي السياسية والثقافية، بالإضافة لتطوير بنية وقاعدة بيانات قانونية قوية.

وفي خضم هذا الفراغ الأممي والدستوري غير الواضح، بات تشكيل بنية تحتية متماسكة واقتصاد محلي متين في المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية من الأولويات بالغة الأهمية بغية ضمان أمنهم واستقرارهم. حيث يقع على عاتق الإدارة حاليا تقوية مسار الاستثمار في عديد القطاعات بالمنطقة مثل الخدمات الأساسية، الزراعة، الصناعة والطاقة، ما يحد من اعتمادها على الدعم خارجيا ويمنحها قدرة هائلة على التحدي والصمود أمام الإلحاحات السياسية والاقتصادية. ثم أنه حتى في غياب الضمانات الدستورية الرسمية في البلاد سيكون للبنية التحتية القوية كالتعليم والصحة القدرة على تعزيز شرعية وجود المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية محليا ودوليا.

حيال استقالة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن بات هناك فراغا تفاوضيا ودستوريا، يواجه الكرد اختباراً في مدى قدرتها على التحدي والصمود لحماية مكتسباتها في الوقت الراهن. حيث الغياب الكلي للضمانات القانونية، التباينات الداخلية السورية والضغوطات والتحديات الإقليمية والدولية، يجعل إدارة الأمور محليا بما فيها البنية التحتية وتعزيز بيئة اقتصادية متكاملة مسألة لا جدال فيها للاستمرار في الإدارات المحلية التي يقودها الكورد. وتتطلب هذه اللحظة الحساسة من الكورد الحذر والتخطيط المتواصل لإدارة المرحلة بحكمة وواقعية، بعيدا عن أية صراعات قد تتشكل لاحقا، من أجل الحفاظ على وجودهم داخل المشهد السوري الذي بات الحاجة الأكثر إلحاحاً اليوم رغم التحديات المحيطة.

قد يعجبك ايضا