الكورد في غرب كوردستان.. جدلية الانتماء الوطني

شريف علي

في غرب كوردستان، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، يعيش الكوردي السوري جدلية الانتماء بين وطنين: وطن الدولة وحدودها، ووطن الأمة وهويتها. هذه الجدلية لا تقوم على التناقض، بقدرما هي تداخل مركّب بين الوطنية الكوردستانية والوطنية السورية، بين مفهوم (الوطنية السورية) و(الوطنية الكوردستانية) الذي ظلّ إشكاليًا، تتجاذبه عوامل تاريخية وسياسية وثقافية متشابكة.

فرغم أن الكورد في غرب كوردستان شاركوا في بناء الدولة السورية التي كانت من مخرجات اتفاقية سايكس بيكو في عشرينيات القرن الماضي، فإنهم واجهوا سياسات إقصاء، وتهميش ممنهجة، من جانب الأنظمة التي توالت على سدة الحكم في دمشق منذ الخروج الفرنسي من سوريا.

فكان الإحصاء الاستثنائي عام 1962 في محافظة الحسكة، والذي جرّد أكثر من 120 ألف كوردي من الجنسية السورية، ما خلق فئة (مكتومي القيد) الذين حُرموا من الحقوق المدنية الأساسية، وتم فرض مشاريع التعريب والصهر القومي في الفترة من اواخر خمسينيات وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، التي سعت الأنظمة من خلالها إلى تغيير البنية الديموغرافية في المناطق الكوردستانية عبر توطين سكان عرب تم استقدامهم من محافظات السويداء وحماه والرقة وحلب في الشريط الحدودي الشمالي، إلى جانب الحرمان الثقافي واللغوي، حيث مُنع التعليم باللغة الكوردية، وأُخضعت الأسماء الكوردية للتعريب القسري.

هذه السياسات خلقت شعورًا بالاغتراب عن الدولة السورية، رغم أن الكورد لم يتخلوا عن فكرة الانتماء الوطني / السوري المستحدث، بل سعوا إلى إعادة تعريفه ليشمل الاعتراف بالتعددية القومية والجغرافية.

الكوردستانية، كمفهوم سياسي وثقافي، تعبّر عن الانتماء إلى الأمة الكوردية التي تعيش على البقعة الجغرافية الممتدة عبر أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. وبالنسبة للكورد في غرب كوردستان، فإن هذا الانتماء يعني، تأكيد على وحدة الهوية القومية، في مواجهة سياسات الإنكار والتعريب، والدمج القصري، بالتالي فالكوردستانية هنا ليست نقيضًا للوطنية السورية، بل محاولة لتوسيع مفهوم المواطنة ليشمل الاعتراف بالهوية القومية ضمن إطار سوري تعددي، لطالما هناك جزء من جغرافية كوردستان متداخل ضمن الحدود المرسومة لدولة سوريا.

غالبًا ما وُجهت للحركات الكوردية في غرب كوردستان تهم (الانفصالية)، رغم أن مطالبها تركزت على احترام الخصوصية الثقافية واللغوية ضمن مؤسسات الدولة السورية، والاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكوردي – ليس كمدخل للتقسيم – بل تمتين لأواصر الوحدة .

في المقابل، ظلّ الخطاب الرسمي السوري – قبل وبعد الثورة – يتعامل مع الكورد إما كـ(مواطنين عرب من الدرجة الثانية ) أو كـ (كورد مهاجرين) ليس لهم حقوق في الإطار السوري – المصطنع – ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع الكوردي.

إن موقع الكوردي في غرب كوردستان بين الوطنية السورية والوطنية الكوردستانية ليس موقعًا تناقضيًا، بل هو تعبير عن واقع مركّب، تتداخل فيه الهويات والانتماءات ضمن سياق سياسي.

الكوردي السوري عليه أن يسعى إلى دولة تعترف بهويته القومية، وتضمن له حقوقه القومية المشروعة والمنصوص عليها في الأعراف والمواثيق الدولية، ضمن دولة ديمقراطية أتحادية تعددية. دولة تحتضنه ضمن عقد اجتماعي جديد، يضمن حقوقه القومية وشراكته بالدولة السورية له حق المشاركة في رسم معالم مستقبلها.
إن المدخل الحقيقي لحل هذه الإشكالية، بعيدًا عن الخطابات التخوينية وأوهام الشمولية، هو إعادة تعريف الوطنية السورية لتكون جامعة لا إقصائية، أوقسرية وبلون واحد.

قد يعجبك ايضا