د. نزار الربيعي
تتملكني هيبة عظيمة، عندما أكتب في الفكر القانوني للإمام على (عليه السلام) في القضاء، ذلك الإمام المقدس، الذي كلما زاد الإنسان به معرفة زاد له حباً وتعظيماً. وهو الذي يقول لو أحبني جبل لتهافت، فكيف بنا ونحن نملك قلوب آدمية. وهذا الحب لم يأت من فراغ. فقد أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد الإمام علي (عليه السلام) وقال له أرفعها إلى السماء وأسأل ربك يعطيك شيئاً، فرفع الإمام يده وقال: ((اللهم أجعل لي عندك ودا))، فنزلت الآية الكريمة: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا.
والإمام على (عليه السلام) لا يحتاج إلى تعريف، فهو صفحة رائعة من الإشراق الإنساني، تضيف شرفاً إلى تاريخ الإنسانية. وثروة علمية لاتحد بحدود، إذ اتسم فكره بالاستقامة والواقعية التي كونت له رصيداً من الألق والثراء، لم نجده في غيره بالرغم مما يمتلكونه من هالة القدسية والعظمة في نفوس المسلمين وأذكر في هذا المجال الشاعر المبدع المتنبي، حين عوتب في تركه مدح الإمام علي (عليه السلام) فأنشد هذين البيتين:
إذ كــان نــوراً مستــطيـلاً شــامــلا
وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا
وبالرغم من قضاء الإمام (عليه السلام) يعد ثروة علمية، فإنها لم تحظى باهتمام المختصين بالقانون بالدراسة والتحليل وبالعمق الذي تضمنته، وإنما انصب جهد الفقهاء على سرد الوقائع التي قضى بها الإمام علي سبيل الحكمة والموعظة.
ويجمع الباحثون على ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((أقضاكم علي)) و ((أقضي أمتي علي)). الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: ((ليس أحد يقضي بقضاء يصيب في الحق الا مفتاحه قضاء علي)) ويقول الإمام علي (عليه السلام) بهذا الصدد: ((لو ثنيت لي الوسادة، لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم واهل الأنجيل بأنجيلهم واهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينطق كل واحد ويقول قد قضى علي فيّ بما أنزل)) وأقر المخالف كالمؤالف أنه أقضي الأمة.
فالإمام على (عليه السلام) أقضي أهل زمانه، لأنه أعلمهم بالفقه والشريعة وهما الوجدان، الذي أعطاه القدرة في استخدام علمه في القضاء أصدق توجيه. وفي المأثور عن عمر بن الخطاب قوله للإمام علي(عليه السلام): ((لا بارك الله في معضلة لم تحكم فيها يا أبا الحسن)) وقوله: ((لولا علي لهلك عمر)) وقوله أيضاً: ((لايُفتين أحد في المسجد وعلي حاضر)) ولاريب أن التأمل القانوني في قضاء الإمام علي (عليه السلام) يعد بحثاً عن القضاء الإسلامي بأعلى مستوياته القضاء التي كتبها الإمام علي (عليه السلام) للصحابي الجليل مالك بن الأشتر النخعي رضوان الله تعالى عليه حين ولاه على مصر والذي يكفيه فخراً أن الإمام قال فيه: ((رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم )(.
وهذه مقالتي هي آمل أن يأخذ بها المشرع العراقي بنظر الاعتبار من أجل بناء نظام قضائي عادل، ذلك أن القضاء ولاية جليلة القدر في الإسلام ويعد من أجل المناصب خطراً وأشرفها قدراً وأعظمها ذكراً، لأنه مقام عليّ ومنصب نبوي، به الدماء تعصم وتسفح والأبضاع تحرم وتنكح والمعاملات يعلم ما يجوز منها وما يحرم. وقد وردت آيات كثيرة تدل على أهمية القضاء، لأنه تلو النبوة، أي ما يتلوها ويتبعها إذ بعث الله تعالى الأنبياء للناس بوصفهم مبشرين وقضاة ليحكموا بينهم، فقد ورد قوله تعالى: ((كان الناس أمة واحدة، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما أختلفوا فيهه)) والقضاء للإمام علي (عليه السلام)، يعد نظريةً متكاملة في القضاء، تفوق أرقى نظم القضاء في العصور الحديثة دقة وعدالة، فهي من الوثائق العلمية التي أستنبط منها الفقهاء تحديد صفات القاضي وشروطه.