سنغافورة من التلافي إلى الريادة

نوري جاسم ..

سنغافورة، الجزيرة الصغيرة الواقعة في قلب جنوب شرق آسيا، تقدّم واحدة من أكثر القصص إلهامًا في التاريخ الحديث، قصة تحوّل شامل من مستعمرة فقيرة تغمرها المستنقعات والصراعات العرقية إلى قوة اقتصادية عالمية يشار إليها بالبنان.

بدأت هذه الحكاية عام 1819م عندما أسّس السير ستامفورد رافلز مركزًا تجاريًا لصالح شركة الهند الشرقية البريطانية، مما جعل الجزيرة نقطة استراتيجية في التجارة بين الشرق والغرب. ومع مرور العقود، وخصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، عانت سنغافورة من الاحتلال الياباني بين عامي 1942م و1945م، وخرجت من الحرب منهكة اقتصاديًا وممزقة اجتماعيًا. حصلت سنغافورة عام 1959 على الحكم الذاتي الكامل من بريطانيا، وانتُخب لي كوان يو (1923 – 2015م ) رئيسًا للوزراء، وهو الرجل الذي سيقود مسيرة النهضة الكبرى. لم تدم وحدة سنغافورة مع ماليزيا طويلاً، ففي 9 أغسطس 1965م، وجدت نفسها مطرودة من الاتحاد الماليزي، معلنة استقلالها وسط حزن شعبي وشكوك عميقة بشأن المستقبل، إذ كانت بلا موارد طبيعية، وبلا جيش، وتواجه بطالة مرتفعة تجاوزت 14%، وتعاني من انقسامات عرقية حادة.

ولكن في خضم هذه التحديات، بدأت النهضة. اعتمدت الحكومة بقيادة لي كوان يو على أسس صارمة لبناء دولة عصرية، فكان القضاء على الفساد أولوية قصوى من خلال إنشاء هيئة مستقلة لمكافحته وتطبيق قوانين صارمة على الجميع دون استثناء. أُعيد تشكيل الإدارة العامة لتكون قائمة على الكفاءة والنزاهة، وبدأ الاستثمار الضخم في التعليم من خلال تطوير المناهج وتبني اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للتعليم والعمل في البلاد، ما ساعد في دمج سنغافورة سريعًا في الاقتصاد العالمي. استُحدثت هيئة التنمية الاقتصادية التي لعبت دورًا حاسمًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتم بناء شبكة واسعة من المناطق الصناعية لجذب الشركات العالمية في قطاعات مثل الإلكترونيات والبتروكيماويات.

في موازاة ذلك، تم إنشاء مجلس تطوير الإسكان الذي أعاد تشكيل مشهد السكن في البلاد، حيث تم نقل مئات الآلاف من العائلات من الأحياء الفقيرة إلى شقق حديثة ونظيفة، مما عزز الاستقرار الاجتماعي. خلال السبعينيات والثمانينيات، تسارعت وتيرة التصنيع وتحولت سنغافورة إلى مركز مالي وتجاري إقليمي، وافتُتح مطار شانغي الدولي عام 1981م ليصبح لاحقًا من أفضل مطارات العالم، في حين تطور ميناء سنغافورة ليصير من أكثر الموانئ ازدحامًا وكفاءة على مستوى العالم. بعد تنحي لي كوان يو عام 1990م، تولى غوه تشوك تونغ (1941م ) قيادة الحكومة، وواصل نفس النهج مع إدخال إصلاحات مرنة واستثمار أوسع في اقتصاد المعرفة والبحث العلمي، وهو ما تُرجم في دعم الجامعات ومراكز الابتكار.

في مطلع الألفية، انتقلت سنغافورة إلى مرحلة جديدة تقوم على الابتكار والرقمنة، فأطلقت الحكومة خطة “Smart Nation” عام 2014م لتحويل البلاد إلى دولة ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتكنولوجيا النظيفة. وفي الوقت ذاته، ركزت سنغافورة على الاستدامة، حيث تم دمج المساحات الخضراء في كل تفاصيل التخطيط الحضري، وبُنيت حدائق عملاقة مثل “Gardens by the Bay” لتكون رمزًا للتنمية المتوازنة. أصبحت سنغافورة اليوم من أعلى دول العالم من حيث دخل الفرد، وأحد المراكز المالية الرائدة، وواحدة من أكثر الدول أمانًا ونزاهة وكفاءة إدارية.

ما حققته هذه الدولة لم يكن محض حظ أو معجزة، بل كان ثمرة تخطيط بعيد المدى، وحوكمة صارمة، واستثمار في الإنسان، كما لخص ذلك لي كوان يو بقوله: “ما حققناه ليس معجزة، بل نتيجة لعمل شاق، وقرارات صعبة، والتزام صارم بالقيم”. لقد صنعت سنغافورة مجدها بيديها، وتحولت إلى نموذج يُحتذى به في كل دول العالم الساعية إلى بناء مستقبل أفضل، وفي عام 2017م، أصبحت حليمة يعقوب (مواليد 1954م) أول امرأة وأول مسلمة تتولى رئاسة سنغافورة، في حدث تاريخي يعكس عمق التعددية والانفتاح في المجتمع السنغافوري. وعلى الرغم من أن المنصب فخري إلى حد كبير، إلا أن حليمة استثمرت منصبها لتعزيز قيم التماسك الاجتماعي، والمساواة، وتمكين المرأة، ورفع صوت الفئات المهمّشة. فقد حرصت على تمثيل جميع مكونات المجتمع، مع إبراز صورة سنغافورة كدولة تُعلي من الكفاءة قبل أي اعتبارات عرقية أو دينية.

وقد شكّلت رمزًا وطنيًا لوحدة المجتمع المتعدد الأعراق، كما دعمت برامج تُعنى بالتعليم والرعاية الاجتماعية، وساهمت في إبراز سنغافورة على الساحة الدولية كدولة نموذجية في العدالة والتعايش.

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

قد يعجبك ايضا